النص النثري العربي الحديث

الفنون

الفنون الأدبية

لقد شهد النثر العربي الحديث بتأثير الاطلاع على الآداب الأوربية وشيوع الصّحف فنونا وأجناسا نثرية جديدة لم تكن معروفة فيه من قبل، وهي المقالة والقصّة والمسرحية والرواية، وبتفعيل الكلام على طبيعة وخصاص وأعلام هذه الفنون الجديدة سنخصّص لها محاضرات في الحصص القادمة.

وإلى جانب هذه الفنون الجديدة نشطت الخطابة وازدهرت لا سيما خ س[1] وهذا يعود إلى عدّة عوامل منها التّأثر بالفكر السياسي الغربي، وما وصل إليه من مبادئ في الحريات والحقوق السياسية، والتأثّر بالظّروف السياسية للبلاد الناجمة عن الحكم السّيء والاحتلال الأجنبي، وتأسيس الأحزاب السياسية التي أخذ كلّ منها يدعو لنفسه عن طريق الخطباء، وأشهر الخطباء السياسيين الذين ظهروا في مصر (مصطفى كامل وسعد زغلول).

كذلك استجدّت خطابة لم تكن معروفة من قبل، أعني الخطابة القضائية المتمثلة في الخطب التي بلقيها المحامون والمدّعون العامون في المحاكم، وقد جاء هذا اللون من الخطابة نتيجة التأثّر بنظام القضاء الحديث الذي عرفه الغرب في العصر الحديث 19[2].

ويمكن أن نربط تطوّر النّثر العربي الحديث بكتابين - في بداية النّهضة الحديثة – يعدّان مصدرين أساسيين للحركة النّثرية، وهما "مقامات الحرير" و"مقدمة ابن خلدون، فيمثل الأوّل الأسلوب الصناعي المموّه، كما يمثل الثّاني الأسلوب الطّبيعي المحكم، لكن القلوب ميّالة إلى المقامات لسحر بيانها ودقّة صناعتها وذيوع طريقها، غير أنّ النّابغين من خريجي المدارس الحديثة المثقّفين بالآداب الأوروبيّة فضلوا الطّريقة الخلدونية على غيرها لجريانها مع الطبع وملاءمتها لروح العصر، ومشابهتها لأساليب الغرب، فظهر بهذا الشّكل توجّهين:

  • توجّه انفرد بالأسلوب البديعي المقامي، فطغت على كتاباته مظاهر التكلّف وأسرف في المحاكاة وأوغل في الصّنعة التي لم يستطيع التّخلّص منها بشكل كلّي، وتشدّد في القيّاس، ولم يسلم الأداء اللّغوي من مظاهر الضّعف، ولم يسلم الأداء من التّعقيد إلاّ القليل منه. ومـن أهم رواد هذا التّوجه: (رفاعة الطهطاوي) في مصر بكتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، و(المويلحي) في مصر بكتابه (حديث عيسى بن هشام)، و(اليازجي) في الشّام بظهور مقاماته (مجمع البحرين).

  • توجّه سعى نحو الإصلاح اللّغوي وإرساء تنقيّة الأسلوب الأدبي لتبصير النّشء وإيقاظ حواسه، وتربيّة أذواقه، من خلال الاهتمام بالفكرة، وإيثار المضمون على الشّكل، والتّخفيف من قيود الصّنعة، وترتيب الأفكار، والتخلّص من المقدّمات والأنماط الشّكلية القديمة، من أهم رواده (جمال الدين الأفغاني / محمد عبده / عبد الرحمن الكواكبي) 20[3].

إذن: الملاحظ أنّ النّثر الفني في صورته الحديثة دخلت عليه فنون جديدة هي القصة، الرواية، المسرحية، وارتبط في نشأته وتطوّره بأطوار ذات صلة بما استجدّ على الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والدّينية والثّقافية، وما طرأ عليها من أحداث ووقائع وعوامل أخرى مطورة للاتجاه الفكري.

  1. الطور الأول: يمثل طور التّرجمة التي أقبل الأدباء عليها، فتغذى الأدب العربي بروائع الثّقافات الغربيّة الوافدة في أسلوب عربي رفيع.

  2. الطور الثّاني: يمثّل طور التّعريب لعيون الأعمال الإبداعية، كما قام به المنفلوطي في سلسلة إبداعاته النثريّة، والتي نال بها ذروة عاليّة في عالم الأدب العربي.

  3. الطوّر الثّالث: يمثّل طور التّأليف الذي قام من خلاله أدباء العصر الحديث في تحقيق الصّالة والابتكار البديع، والذي بسببه تخلّصت الكتابات العربية الحديثة من قيود التكلّف الممقوت، فوجد النّثر الفني حرية التّعبير عن الحياة وملبساتها باتزان والتزام الأصول الفنّية المحددة، فظهر أوّل عمل روائي فني سنة (1910م) يعالج مشكلة اجتماعية، هي رواية (زينب) لـ: محمد حسين هيكل.

فيديو يجمل المحاور الثلاثة التي تمثل مظاهر تطور النثر العربي الحديث
  1. خ س:الخطابة السياسية

  2. 19

    شوقي ضيف، الأدب العربي المعاصر في مصر، ص204.

  3. 20

    شوقي ضيف، الأدب العربي المعاصر في مصر، ص204.

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)