الموضوعات
كانت موضوعات النّثر قبل العصر الحديث بعيدة عن حاجات النّاس وحياتهم ومشاكلهم، فهي كانت موضوعات محدّدة وساذجة لا أهميّة لها، كان يغلب عليها الطّابع الشخصيّ لا تكاد تتجاوز موضوعات الشّعر من تهنئة يفتح أو ظفر، ومن تعزيّة أو وصف...الخ. إذ كثرت الموضوعات وتعدّدت وتنوّعت منذ منتصف القرن التّاسع عشر نتيجة لليقظة السيّاسيّة وانتشار الصّحف، يطرحون محل الموضوعات القديمة والمحدودة موضوعات عامّة، أيّ أنهم أحلوا الأمّة محلّ الأفراد، فلم يعد الكاتب يتوجّه بكتاباته إلى شخص معين، بل أصبح يتوجّه إلى طبقات الأمّة على اختلاف درجاتها، معنى ذلك أنّ الأديب صار أديبا ديمقراطيا، بعد أن كان أرستقراطيا يوجّه حديثه إلى أرستقراطيين من أمراء ووزراء وغيرهم لينال مكافاتهم وجوائزهم 16[1].
وعليه النثر العربي الحديث صار يسعى إلى محيط أوسع، هو محيط الشّعب الذي يكسب عيشه منه مباشرة أي يكتب الأديب لتلبيّة تطلّعات الشّعوب، فصار الخطاب النّثري يحلّل كل جوانب الحياة السيّاسيّة والاجتماعيّة والتّربوية والخلقيّة والدينيّة بما ينشر من الكتب وبما يكتب في الصّحف، وقد نتج عن ذلك ثلاثة أمور:
1- أن الكاتب للنثّر الحديث لم يعد عبدا لأشخاص بعينهم، أو لهذا الأمير أو هذا الوزير، بل رّدت إليه حريته، فهو يكتب كما يريد، لا كما يريد له الأمراء والوزراء، يكتب أراء وأفكاره كما أحسّ بها.
2- الكاتب تحول إلى الجماعة الكبرى، جماعة الأمّة، لذلك راح يرضي هذه الجماعة وشعورها وذوقها، ممّا كان سببا في نشوء رأي أدبي عام يعلن رضاء وسلطة على حياتنا الأدبية.
3- صار الأدب يعنى بتصوير ميول الجماعة السياسية لأنّ الأدباء تحولوا إلى الجماعة يخاطبونها ويقدّمون أدبهم إليها، فكان لابدّ أن يخاطبونها في شؤونها العامة التي تهمّها وحياتها التي تعيشها 17[2].
حدث هذا التّطور في النثر أولا في مصر في عهد إسماعيل الخديوي، لأن العوامل التي أدّت إلى ذلك برزت في مصر أقوى منها في غيرها، من هنا تجد موضوعات هذا النثر واسعة ومختلفة، وتتناول مشكلات الحياة وما يهّم الشّعوب وما يبعث على اليقظة والنهضة ولعلّ أهمها 18[3]:
الدّفاع عن الأمّة والدّعوة إلى تحريرها من العبودية والعنف، والمطالبة بحقوقها المختلفة، والتنديد بالحكّام الظالمين، برز مثل هذا الموضوع عند المصلحين أمثال: (جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده...).
الدّعوة إلى الأخذ بنظام الشّورى[4] في الحكم، وظهر هذا الاتّجاه عند أغلب المفكرين والمصلحين وبعض الأدباء أمثال: (الأفغاني، محمد عبده، عبد الله النديم، أديب إسحاق البارودي)، ولقد كتب محمد عبده ثلاث مقالات في الشّوري ووجوب الأخذ بالنظام النيابي.
محاربة الاستعمار وإثارة الحمية الوطنية في نفوس الشّعوب المستذلة التي غلب على أمرها وقادها ملوكها وزعمائها إلى الدّمار، بينما العدو تربص بهم الدّوائر وقف الأدب النثري يصرخ في هذه الشّعوب صراخا مدوي، لعلها تستفيق من سباتها وتنهض لمحاربة عدوها.
السّعي في إ م ج[5] كالفقر والجهل ومفاسد الحضارة الأوربية التي أخذت تغزو البلاد منذ عهد إسماعيل الخديوي.
تحرير المرأة ومساواتها مع الرجل في الحقوق وفرص التّعليم.
إذن: أصبح النثر العربي الحديث يكتب طبقات لطبقات الأمّة على اختلاف درجاتها دون الحاجة إلى الكتابة للولاة والأمراء، فالكاتب يكتب كما يريد وكما يحسّ وكما يدركه بصره، يحاول إرضاء أمّته، ويكتب بشعوره وذوقه.






