النص النثري العربي الحديث

اللّغة

لقد تحرّرت من قيود التكلّف والصّنعة منذ أن انحسرت على البديع والسّجع والجناس والطّباق والتّورية على حساب الفكرة في منتصف القرن التّاسع بعد قرون عديدة، فعادت تعانق الحياة، وتحمل الأفكار، وتصوّر المعاني الإنسانيّة التي يهدف إليها الكاتب، فاتّسعت مجالات الكتابة وارتبطت بالمجتمع 11[1].

أصبحت اللّغة تميل إلى السّهولة والوضوح، حيث أصبح الأدباء يهتمون بالمضمون وكيفية توصيل المعاني والأفكار إلى القراء، والكاتب يكتب ليصور تجربة نفسية أو يقول شيئا محدّدا، كما حاول بعضهم الجمع بين العناية بالشّكل والمضمون، مثل ما فعل (المنفلوطي والرافعي والزيات والعقاد ونجيب محفوظ...)، ولعّل التّطور في اللغة جاء بعد الصّراع بين المحافظين والمجدّدين وقناعات كلا منها 12[2].

فالغاية غدت تنصبّ على المضمون بعد أن صار عند الأدباء مخزون ثريّ من الأفكار والمعاني يريدون إيصالها إلى القراء، لكن في بدايات النهضة ظّل الأسلوب المسجوع والزخرف سائدا في كتابات الأدباء والمترجمين أمثال رفاعة الطّهطاوي وتلاميذه، فالطّهطاوي، وإن كان من أعلام النهضة والتّجديد، استخدم الأسلوب المسجوع[3] في كتاباته وترجماته الأولى، جاء في إحدى ترجماته (لم يتولّ قلب ملك من تلك العصابة ولا ساواه غيره في تربية الرّعية بهذه المثابة، فالفخار شعاره، والمجد دثاره، وكان احظي الملوك باكتساب الطّاعة من رعاياه والانقياد، كما كان أعلمهم في الهيئة عند الأخدان والأضاد، وربما كان دونهم في ميل الرعية إليه ومحبتهم له بانعطاف القلوب عليه، فطالما أريناه تتقلب عليه صروف الزمان وتتلاعب به حوادث الحدثان، وهو عند النصر يظهر الفخار، ويتجلد عند الهزيمة ولا يظهر بمظهر الذّل والانكسار فقد أرهب عنده عشرين أمّة عليه تعصبت، وعلى قتاله تحالفت وتحزبت، وبالجملة فهو أعظم الملوك في حياته، كما كان عظيم العبرة عند مماته...) 13[4].

على أنّ أسلوب الطّهطاوي في كتبه الأخيرة، تغير فأصبح أسلوبا مرسلا ، قلّ فيه السّجع والزخارف اللفظية، يقول في كتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين" المطبوع في عام 1873 محدثا عن تعليم المرأة (ينبغي صرف الهمّة في تعليم البنات والصّبيان معا... فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك، فإنّ هذا يزيدهنّ أدبا وعقلا ويجعلهن بالمعارف أهلا ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرّأي، فيعظمن في قلوبهم ويعظم مقامهنّ، وليمكّن للمرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها، فكلّ ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهنّ، وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة. فإنّ فراغ أيديهنّ عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهن بالأهواء، وافتعال الأقاويل، فالفعل يصون المرأة عمّا لا يليق ويقربها من الفضيلة، واذا كانت البطالة مذمومة في حقّ الرجال، فهي مذمّة عظيمة في حقّ النساء....) 14[5].

وهذا لا يعني أن العناية بالشّكل في الأسلوب قد انتهت كليا، في ن ع ح[6] فقد ظلّ هناك أدباء يعتنون في أسلوبهم بالجانب الشّكلي، لكن دون أن يأتي ذلك على حساب المضمون، أمثال: "مصطفى لطفي المنفلوطي، صادق الرّافعي، أحمد حسن الزيات، طه حسين...".

إنّ الغالبية من الأدباء مالت إلى البساطة والإيجاز والبعد عن التأنق، بكلّ أنواعه في الجوانب الشّكلية، حتّى يكون ما يكتبونه مفهوما عند الجميع، فالأدباء والمترجمون لم يرجعوا إلى الأسلوب القديم الفصيح أو الأسلوب المرسل الحرّ فحسب، بل أخذوا يبسّطون أسلوبهم تبسيطا لا ينزل به إلى مستوى العامّة أو إلى الابتذال وفي الوقت ذاته لا يعلو عليهم بحيث يشعرون بشيء من العسر في قراءته وفهمه، أيّ أنه أسلوب بسيط سهل، لكنه عربيّ فصيح15.

  1. 11

    ينظر، محمد أحمد ربيع وسالم أحمد الحمداني، دراسات في الأدب الحديث (نثر)، دار الكندري للنشر والتوزيع، اربد، الأردن، (د.ط)، 2003، ص25.

  2. 12

    ينظر، محمد أحمد ربيع وسالم أحمد الحمداني، دراسات في الأدب الحديث (نثر)،ص25.

  3. الأسلوب المسجوع

    "لون فني يعمد إلى ترديد قطع نثرية قصيرة، مسجعة ومتتالية، تعتمد في تكوينها على الوزن الإيقاعي أو اللفظي، وقوة المعنى".

  4. 13

    محمد أحمد ربيع وسالم أحمد الحمداني، دراسات في الأدب الحديث (نثر)، ص26.

  5. 14

    محمد أحمد ربيع وسالم أحمد الحمداني، دراسات في الأدب الحديث (نثر)، ص26.

  6. ن ع ح:النثر العربي الحديث

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)