البداية الفعليّة لنشأة النّثر العربي الحديث
يعدّ النّثر العربي الحديث فنّ من الفنون الأدبيّة التي بدأت تشهد تنظيرا فعليّا وحضورا فعّلا حين اشتعلت نار اليقظة ونورها، وتبدّد الظّلام الحالك من البلدان العربيّة وتلاشى الجمود والرّكود وقلّة الأساليب الرّكيكة التي كانت تطغى عليها الألفاظ المزخرفة والمعاني المبتذلة والمحسنات البديعيّة والمبالغة في الصّنعة، حيث انتقل الكتّاب إلى استعمال الأساليب الفصيحة والبليغة التي تبعد عن التكلّف، ولاسيما من مصر بعد أن غزاها نابليون سنة 1798م. ثم أخذت هذه النّهضة الأدبيّة بيد النّجاة للفنون الأدبيّة العربيّة 1[1].
هكذا بدأت حركة الانبعاث في الأدب العربي مع نهاية القرن الثّامن عشر، والتي مهّدت السّبل لاحتكاك العرب مع الغرب وتأثّرهم بآدابهم، فاستفاق الأدباء والكتّاب العرب من غفوتهم، وتحوّل الأدب العربي من الكساد إلى الرّواج، ومن الانحطاط إلى الازدهار، فأثّرت هذه النّهضة الأدبيّة على النّثر والشّعر على حدّ سواء، وأدّت إلى ظهور لون جديد من النّضج والازدهار، وتحرّر الأدب العربي وخاصّة النثر مع أصنافه المختلفة من السّجع وصنعة الجناس وقيود البديع، وتميّزت بالدّقة والسّلامة والرّصانة والقصد، فكم من كتّاب نبغوا وجمعوا بين ثقافة الشّرق القديم وثقافة الغرب الجديد، وبلغوا بالنّثر الفنّي منزلة لم يبلغها في العصور السّابقة، حيث تعددت فيه الأساليب، وتنوّعت الأغراض، وظهرت الأنواع النّثرية المتعدّدة إلى حيّز الوجود فنسجوا على منوال ما ترجموه من القصص والرّوايات الغربيّة.
إذن هناك بواعث وحوافز هي التي ساعدت النّهضة الأدبيّة الحديثة عامّة والنّثر العربي الحديث خاصّة في التّطور والتقدّم إلى هذا الحد، وهي المتمثّلة في الاتصال الفكري والثقافي بين الشرق والغرب، وتأثّر الآداب الشرقيّة بالآداب الغربيّة ولا سيّما بالآداب الإنكليزيّة والفرنسيّة عن طريق الاحتكاك والتّعليم والبعثات والتّرجمة وإنشاء منشآت الصّحافة والطّباعة وتأسيس المدارس والجامعات والمجامع والبرامج الثقافيّة والاجتماعيّة وما إلى ذلك من الوسائل 2[2][1]، وهي العوامل الأساسيّة التي ساعدت على نهضة النّثر العربي الحديث، والتي سنفصّل فيها فيما يلي.






