4. التأثير السلبي للعولمة على مجتمع المعلومات

يمكن إيجاز أهم المظاهر السلبية للعولمة في النقاط التالية :

- عدم قدرة البلدان النامية على إحداث نمو حقيقي في صادراتها السلعية، مما يؤدي إلى تفاقم العجز

في موازينها التجارية وإرتفاع مديونيتها الخارجية، بالإضافة إلى عدم قدرة صناعاتها من الصمود أمام صناعات الدول المتقدمة بسبب ذات التنافسية العالمية، مما ينعكس سلبا على تطوير هذه الصناعات.

- بروز ظاهرة الكساد الاقتصادي والبطالة، بفعل سياسات الخصخصة وتقليص دور الدولة في المجال الاقتصادي ، وعدم تمكن القطاع الخاص من الحلول محل الدولة في تنشيط القطاعات الاقتصادية

- تعرض اقتصاديات البلدان النامية إلى هزات شديدة بفعل حرص منظمة التجارة العالمية على تحرير الخدمات التجارية والمالية والمصرفية، ويؤثر ذلك خاصة على قطاع الخدمات الذي بدأ يقدم نتائج مهمة

في مجال زيادة الدخل من العملة الصعبة ، حتى أنه بدأ ينافس قطاع الصناعات الإستخراجية والزراعة في بعض الدول النامية

الهوية والثقافة ومجتمع المعلومات :

 تعبر الهوية عن حقيقة الشيء المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية التي تميّزه عن غيره، كما تعبّر عن خاصية المطابقة أي مطابقة الشيء لنفسه أو لمثيله، وتتمثل مقومات الهوية في اللغة الوطنية، واللهجات المحلية المرتبطة بوجود شعب ما، وتطوره، ومصيره،  وبالقيم الدينية والوطنية المتكونة عبر العصور، والعادات والتقاليد والأعراف النابعة من تلك القيم والحاملة لها، وبالتاريخ النضالي،كما أنها لا تبقى مفصولة عما يجري في العالم، فهي تدخل مباشرة في تفاعل مع ما هو إقليمي وقومي وعالمي، وخاصة في مجتمع المعلومات والعولمة.

 تتعدد مصادر التحديات التي تواجه الهوية، بقدر ما تضعف المناعة لدى الفرد والمجتمع، ولكن المصدر الأساس الذي يأتي منه التحدي الأكبر لهوية الأمم والشعوب كافة، يكمن في السياسة الاستعمارية الجديدة التي تسود العالم اليوم، والتي ترمى إلى تنميط البشر والقيم والمفاهيم وفق معاييرها الجديدة، والسعي إلى صياغة هوية شمولية تفرضها في الواقع الإنساني، في إطار مزيف من التوافق القسري والإجماع المفروض بالقوة والخطورة في هذا الأمر، أن قوة الإبهار التي تُطرح بها هذه الهوية الشمولية ذات الاتجاه الغربي، والأمريكي تحديداً، تعمى الأبصار عن رؤية الحقائق على الأرض كما هي، مما يؤدى إلى توهم أن هذه الهوية المغشوشة، هي الهوية العصرية، الهوية الكونية، هوية التحديث والمدنية، الهوية التي ينبغي أن تسود وتقود، ولا هوية الجمود والهمود.

يقول إيريك فروم إن المجتمع الحديث بدأ وهو يأمل أن يخلق ثقافة جديدة تحقق حاجيات الإنسان عن طريق التوفيق بين الفرد والحاجات الاجتماعية وأن يقضي على الصراع بين الطبيعة الإنسانية والنظام الاجتماعي واعتقد الناس أنهم يستطيعون بلوغ هذه الأهداف بطريقتين :

زيادة الطرق الإنتاجية بما يوفر إشباع كل حاجات الفرد 

رسم صورة موضوعية عن الإنسان وحاجاته الحقيقية

فإن الهدف الأساسي كان خلق مجتمع واع لكن يبدو أننا فشلنا في بلوغ هذه الأهداف، فلقد استبدل الغرب، في عصر الرقمي الجديد، الركائز الثقافية والدينية بمقولات جديدة تضع الأخلاق في خدمة الهيمنة والعنف، والدين في خدمة نظام رأسمالي منتصر، والثقافة وقيمتها في خدمة فلسفة القوة، وقد باتت نظرة الغرب إلى ذاته تتسم بنرجسية مرضية يلازمها خوف دائم من فقدان السيطرة والدخول في مرحلة الأقوال والانحطاط. وهذا ما يؤكده الإنثروبولوجي الفرنسي كلود لفي ستروس في عام 1980 بأن عولمة الثقافة تؤدي بالبشرية إلى الثقافة الأحادية mono culture  وستكون الحياة كلها شمندر  betteraveلا يقدم فيها إلا هذا الطبق  وأحادية الثقافة تؤدي إلى أحادية اللغة على اعتبار أن اللغة هي الناقل الأساسي للثقافة  ويترتب عن ذلاك موت مئات اللغات.

المشكلات الأخلاقية  : تطرح التكنولوجيا الحديثة العديد من المشكلات الأخلاقية متجسدة في انتهاك الخصوصية الفردية عن طريق التجسس والقرصنة وعمليات كالنصب والاحتيال والتزوير بالإضافة إلى التخريب العمدي للشبكات .

إشكالية انحسار القيم الأخلاقية أمام المد المعلوماتي الهائل، وبذلك تتحول انصهار العالم في بوتقة واحدة إلى أكبر معضلة تواجه دول العالم ليس الثالث فقط ولكن كل المجتمعات التي لا تزال محافظة على ثقافتها المحلية والتي يؤدي التشارك المعرفي إلى اختراقها بطريقة هي الأقرب إلى الانتهاك منها إلى الاستهلاك، خاصة مع الانتشار الواسع للمواقع الإباحية وظواهر أخرى أكثر خطورة كممارسة الدعارة عبر الشبكة والترويج لمواد أخرى ممنوعة .

المشكلات القانونية :

إن من أهم مبادئ مجتمعات المعلومات صيانة الحق في الابتكار، أي حماية الملكية الفكرية وما يتصل بها، وهذا ما يتجلى في كل الاتفاقات الدولية التي توقع تحت طائلة منظمة التجارة العالمية أو شروط صندوق النقد الدولي أو اتفاقيات الشراكة المختلفة، وعلى الرغم أن الصورة العامة قد ترسم مستقبلا مشرقا حول حماية حقوق الملكية الفكرية، إلا أن الهدف الحقيقي للترويج لقوانين الحماية ليس هو صيانة هذا الحق المشروع بقدر ما هو عملية تقنين ومنع لانتشار التكنولوجيا ووصولها إلى دول العالم الثالث، التي ستضطرها القوانين المتشددة في هذا الإطار إما إلى الامتناع عن استيراد هذه التكنولوجيا على الإطلاق والبقاء متخلفة إلى الأبد، أو اللجوء إلى استيرادها مع تحمل التكلفة العالية التي ستضطر إلى دفعها نظير استغلال براءات الاختراع وحقوق التأليف والملكية الفكرية، أو الاعتماد على الحل الثاني والأخير وهو اللجوء إلى القرصنة، مما يطرح مشكلات جسمية للمنتجين والمستهلكين للتكنولوجيا على حد سواء .

ومن الواضح أن تطبيق القوانين لا يتعدى الدولة التي صكتها، وفي نهاية الأمر، يحتاج تنفيذ القانون إلى جانب القوة التي توفر له الحماية والشرعية، ويرى عدد من الخبراء أمثال Barlow أنه ما من فرص لبقاء حق المؤلف في البيئة المتشابكة، فرغم انتشار عمليات الانتحال والقرصنة في جميع أنحاء العالم، إلا أن القضايا انتحال حق التأليف المنظورة أمام المحاكم لا تزال قليلة خاصة   معظم المشكلات التطبيقية مرتبطة بالتحكم في مصادر الإنترنت.

كما أن بعض المفكرين يضيفون الملامح السلبية التالية :

التوزيع الجغرافي غير المتناسب للمعلومات

استخدام تكنولوجيا المعلومات كمظهر حضاري فحسب

الأمية التكنولوجية وعدم المعرفة الدقيقة في استثمار إمكانات تكنولوجيا .

السيطرة على المعلومات، وحجبها، مما يؤدي الى قرصنتها

الحواجز اللغوية، خاصة أن لغة المعلومات ليست بلغة الدول النامية

البيئة التكنولوجية الضعيفة، وغياب التنسيق بين المتخصصين في علوم الحواسيب والبرمجة من جهة، وبين المتخصصين في التعامل الموضوعي مع مصادر المعلومات وتوثيقها، في المكتبات ومراكز البحوث والمعلومات. إضافة إلى احتمالات وجود بعض من الاتجاهات التقليدية التي تقاوم التغيير.

الاعتماد الكبير على تكنولوجيا المعلومات وخاصة بعد ظهور مسألة الذكاء الاصطناعي، سيؤدي إلى ما يسمى بتسطيح العقل البشري نظرا لاعتماده على الآلة لتؤدي التفكير، بدلا من الإنسان والقيام بالخطوات الإبداعية المطلوبة.

قلة أو ضعف القوى العاملة الفنية،وقلة كفاءة التدريب والتأهيل،خاصة وأن التغيرات سريعة في مجال ظهور الحواسيب والتكنولوجيات المصاحبة الأخرى.

الفجوة الرقمية: يعاني بعض الأفراد والدول من نقص الوصول إلى تقنيات المعلومات، مما يزيد من الفجوة الاقتصادية والاجتماعية (Norris, 2001).

فقدان الهوية الثقافية: قد يؤدي التأثير الثقافي العالمي إلى تآكل الهويات الثقافية المحلية (Held & McGrew, 2003).

الخصوصية والأمن: يثير الاستخدام المكثف لتقنيات المعلومات مخاوف بشأن الخصوصية والأمن السيبراني (Stiglitz, 2002).