تاريخ العلاقة بين النفس و الجسد
الفلاسفة القدامى
أكد الفلاسفة القدامى على العلاقة التبادلية بين النفس و الجسد، حيث شهدوا تأثير الحالة النفسية في تغير الحالة الجسمانية، و الحالة الجسدية بدورها تؤثر جليا في تفاعلات الحالة النفسية.
ساد في الثقافة الطبية اليونانية، التي تزعمها "هيبوقراط" Hippocrates و أتباعه في ذلك الوقت (300-400 ق – م)( الاعتقاد بأن منشأ المرض يعود إلى اختلال في التوازن في السوائل داخل الجسـم، و الذي قد يكون سبهه اختلال مشابه في بيئة المريض الخارجية. يؤكد أطباء اليونان القدامى على ترابط كل من سوائل الجسـم و مزاج الشخص في نشوء المرض. كما لاحظ "هيبوقراط" أن الخبرات الانفعالية القوية، خاصة منها الخوف والغضب، يمكن أن ينجـم عنها اضطرابات في وظائف الجسم. ثم قام بتقديم وصف للاكتئاب والقلق والخوف الهذيان
لقد انتقد "سقراط" منذ أكثر من 2500 سنة الأطباء في "أثينا" بسبب موقفهم الطبي الذي يركز على الجانب العضوي فقط، هذا و أعرب عن وجهة نظره التي مفادها أنه لا شفاء للجسد دون علاج العقل(النفس)، و يضيف أن سبب عدم معرفة علاج الكثير من الأمراض يرجع إلى تجاهل الأطباء للوحدة الكلية للفرد (النفس-الجسد).
ذهب "أرسطو" كذلك (384-322 ق_م)( إلى أن الانفعالات مثل الغضب والخوف والفرح والبغض والحسد لا يمكن أن تصدر عن النفس وحدها ولكنها تصدر عن مركب نفسي معقد. وأن هذه الانفعالات السيئة والعنيفة والمزمنة تترك آثارا سيئة في الجسم ـ )
العصر الروماني
أما في العصر الروماني اعترف "شيشرون" Cicero بقوة الجانب النفسي أو السلوكي، و أكد على المسؤولية الشخصية للفرد على المرض. و ساد استخدام ـ مصطمح "الأهواء" Passions بدلا عن السيكوسوماتية لمدة 1700 سنة دون سبب واضح.
و حسب "جالينوس"Galen فالأهواء قد تكون سببا في ظهور المرض، كما يمكن أيضا أن تؤدي إلى شفائه. لذلك هدف العلاج الروحي لجالينوس إلى تحرير الشخص من أهوائه وشفاء الروح (النفس)بنفس الطريقة التي يشفي بها الطب الجسديالأمراض العضوية.
التاريخ المصري القديم
والتاريخ المصري القديـم حافل بالعديد من البرديات الطبية أشهرها بردية "إيبرس" وتتكون من 12 وصفة مخصصة للأناشيد و الأدعية التي يجب أن يقولها الشخص المريض أثناء تناوله للأدوية، ولا شك أن الاهتمام بالأدعية وطلب الشفاء من الإله يهيء الفرد نفسيا لكى تتقبل فسيولوجية الجسد لهذا الدواء مما ينعكس إيجابيا عليه فيشفى.
هذه الملاحظات التي عبرت جليا عن العلاقة بين النفس و الجسد و تأثير كل منها في الآخر لم تمكن مدونيها من فلاسفة و مؤرخين و أطباء من إعطاء تفسيرات علمية واضحة لهذه العلاقة.
التاريخ الاسلامي القديم
و جاءت الإسهامات الإسلامية مؤكدة على هذه الملاحظات فكان "المجوسي"(994م) من أوائل من تفطنوا إلى العلاقة بين النفس و الجسد حيث أشار في كتابه " كامل الصناعات الطبية" إلى أن الأمراض النفسية كالغـم و الغضب والهم والحسد تغير مزاج البدن وتؤدي إلى إنهاکه وتولد هذه الأعراض الحميات الرديئة.
من أشهر العلماء المسلمين أبو على ابن سينا (980-1037م) الذي يعتبر بعد أفلاطون أول من نقل وحدة النفس و الجسـد إلى الميدان التجريبي وقد أشار في كتابه )(القانون في الطب) إلى ما يسمى في وقتنا الحاضر بالإجهاد النفسي الذي أثبتت الدراسات الطبية الحديثة دوره في اضطراب النواقل العصبية التي تؤدي إلى تغيرات عضوية، و الذي على أساسه تـم تفسير وعلاج و وصف العديد من هذه الأمراض.
ويعتبر "الرازي" من أكثر الأطباء الذين حثوا على طب شامل يضع في الحسبان المريض ومرضه ومحيطه وطبيبه وهذا ما يدعو إليه الطب السيكوسوماتي الحديث. (1)[1]
القرن التاسع عشر
شهد هذا العصر إهمال واضحا لوحدة الجسد و الروح و سيطرة العلوم الطبية جاء الرد من استخدام "مسمر" و "شاركو" Mesmer & Charcot للتنويم المغناطيسي في علاج نوبات الهستيريا و تعديل مسار الأعراض الجسدية و بالتالي عاد الاهتمام بالعوامل النفسية و التأكيد على دورها في العلاج العضوي.
أثر هذا العمل بشكل كبير على "فرويد" الذي أصبح أكثر اهتمام بالمشاكل الانفعالية لمرضاه، وبالتالي إعادة الاعتبار لوحدة النفس بالجسد معا. بل ذهب إلى ما وراء ذلك، و أعاد التركيز على العلاقة العلاجية بين الطبيب والمريض، و شَّدد على دور العلاج النفسي كقوة فعالة في شفاء أنواع معينة من المرضى. و طبق التفكير العلمي لدراسة الشخصية، وباكتشافه اللاشعور أسس المبادئ الدينامية الأساسية لأسباب الأمراض النفسية.
بعد هذه المرحلة بدأت معالـم البسيكوسوماتيك تظهر وتتضح أكثر بعد التقدم الذي أحرزته من خلال التطور في فهم آليات العمل الداخلية للدماغ و تأثيراتها على السلوك. و يتجلى ذلك في أعمال الكثير من العلماء منيهم أعمال"بافلوف"" Pavlov عن الإشراط الكلاسيكي، و قانون الأثر الذي صاغه "ثورندايك" Thorndike ، والإشراط الإجرائي ل"سكينر" Skinner
العصر الحديث
شهد هذا العصر تطَّور الطب العضوي إلى درجة أنه يمكن تقدير الآليات الفسيولوجية للتأثيرات النفسية على الوظيفة الجسدية، و يسمى هذا مجال الفسيولوجيا النفسية.
كذلك، استجابة "كانون" Canon للمواجهة أو الهروب flight-or-fight التي يتحكـم فيها الجهاز العصبي الودي. بعد ذلك، قَّدم ـ "سيلي" متلازمة التكيف العام ـ" المسئولة عنها الغدد الصماء، ومؤخرا تـم تأسيس حقل جديد بالكامل يسمى عن المناعة النفسية العصبية، الذي يفحص التأثير الصحي للتواصل بين الجهاز العصبي المركزي والجهاز المناعي.
من تتبع التاريخ الحديث الذي تمت فيه الإشارة إلى العلاقة بين النفس و الجسد فأن المؤرخين أشاروا إلى الأمور التالية:
المؤرخ | الاسهامات |
جورج بيكر (1755) | |
هينروث (1818) | قدم مصطلح "سيكوسوماتيك" حيث لاحظ أن إنفعلات الفرد الحادة تؤثر تأثيرا ضارا في حالة الجسم ... عكس حال الفرد حين تكون انفعالاته هادئة و تتسم بالتفاؤل و الهدوء. |
(1931) Thachrah | وصف التاأثير السلبي للضغوط النفسية Stress على حالة الفرد الجسمية و العقلية على حد سواء. ذلك لأن الضغط يمثل قوة عاتية قد تدفع الفرد للشعور بالعجز و عدم القدرة على المواجهة مما يجعل فكره منشغلا و قلقا و متوترا و ربما متشائما و كل هذه الانفعالات تنعكس سلبا على الجسم . |
دويتش هيلين ،دنبار و فرانز أكسندر و آخرين. | إدخال مفهوم "الطب النفسي" في العلاج الطبي العام مع إعادة استخدام مصطلح (سيكوسوماتي) |
بعد استعراض التطور التاريخي لمصطلح البسيكوسوماتيك عبر مختلف العصور يمكن إيجازه في النقاط التالية:
البحوث العلمية أكدت على وجود تفاعل و تغذية رجعية بين العوامل النفسية و الجسدية و البيئية إلى الحد الذي يصعب معه معرفة العامل الرئيسي المسبب للمرض.
مسألة الفصل ما بين الأمراض العضوية و الأمراض النفسية لم يعد موجودا الآن حيث ساد الفصل التعسفي ذلك على الساحة العلاجية/الطبية لفترات طويلة.
يرد الآن الطب الحديث معظم الأمراض الجسدية إلى العامل النفسي (و ضرورة التنقيب عنه) لأنه يلعب الدور الرئيسي في نشأة هذه الأمراض، و أن العامل النفسي يلعب دورا مهما في تغذية دفاعات الفرد و قد يلعب دورا معاكسا تماما فيؤدي إلى انهيار مقاومة الفرد.
توصلت الملاحظات و الدراسات المعمقة إلى إظهار حقيقة أن التأثيرات المرضية للإنفعلات المزعجة (القلق، الاكتئاب، قلة الحيلة ...) تؤثر على إرادة الحياة لدى المرضى. كما تؤثر أساليب الموائمة على جهاز المناعة إذا ما تعرض الفرد لأحداث و ضغوط شديدة.( 2[1])