الخلفية التاريحية لمساهمة اليونيسكو في التخطيط التربوي

منذ منتصف القرن العشرين، بدأت منظمة اليونسكو في تطوير أدوات منهجية واستراتيجيات تقنية لدعم التخطيط التربوي في الدول الأعضاء، في إطار سعيها لضمان الحق في التعليم كحق إنساني أساسي. وقد تسارعت وتيرة هذا الدور بشكل لافت ابتداءً من الستينيات، حيث أدركت المنظمة أن تحقيق أهداف التعليم يتطلب تخطيطًا دقيقًا، قائمًا على معطيات واقعية واستشراف علمي. ومن هذا المنطلق، أُنشئ معهد التخطيط التربوي الدولي (IIEP) سنة 1963 في باريس، كمؤسسة رائدة تابعة لليونسكو، لتوفير التكوين العالي والدعم الفني في مجال التخطيط التربوي والإدارة التربوية. وقد أسهم المعهد في بناء قدرات وطنية في أكثر من 130 دولة، من خلال برامج ماجستير، ودورات تدريبية، ومرافقة ميدانية للمؤسسات الوزارية (UNESCO, 2021).

هذا التوجه تعزز مع إعلان "التعليم للجميع" في مؤتمر جومتيين بتايلاند عام 1990، والذي شكل نقطة تحول حاسمة في التزام المجتمع الدولي بتوسيع قاعدة التعليم الأساسي للجميع، دون تمييز. وقد كان لليونسكو الدور القيادي في متابعة تنفيذ التوصيات، خاصة من خلال إعداد خطط وطنية للتعليم تكون شاملة، وقائمة على أسس الإنصاف والاستدامة والفعالية.

ثم جاء إعلان داكار عام 2000، ليجدد الالتزام العالمي بالتعليم للجميع، مع تحديد ستة أهداف استراتيجية تهم مجالات الطفولة المبكرة، والتعليم الأساسي، ومحو الأمية، والجودة. وقد عملت اليونسكو، انطلاقًا من هذا الإطار، على تطوير أدوات تخطيط متقدمة تأخذ بعين الاعتبار الفوارق الجغرافية والاجتماعية والنوعية داخل النظم التربوية، وربطت بين أهداف المخططات والنتائج القابلة للقياس.

في سنة 2015، شهدت الأجندة العالمية تحولًا جذريًا مع اعتماد أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، وعلى رأسها الهدف الرابع المتعلق بالتعليم. ومن خلال إطار عمل إنشيون (Incheon Framework for Action) تولّت اليونسكو مجددًا دور القيادة في دعم الدول على مواءمة سياساتها ومخططاتها التربوية مع مقتضيات التعليم الجيد، المنصف، والشامل، الذي يضمن فرص التعلم مدى الحياة. وضمن هذا الإطار، لم تقتصر تدخلات المنظمة على الجانب الفني فقط، بل توسعت لتشمل الجوانب التمويلية، والحوكمة، وتفعيل النظم المعلوماتية التعليمية.

لقد تطورت أدوات اليونسكو من مجرد دليل تخطيط إلى منظومة متكاملة تتضمن التحليل السياقي، والنمذجة الإحصائية، واستشراف السيناريوهات، مما يجعلها اليوم مرجعية دولية في مجال هندسة المخططات التربوية ذات الطابع الاستراتيجي، سواء في السياقات المستقرة أو المتأثرة بالأزمات والنزاعات.