Résumé de section

  • البناء المؤسسي بعد إقرار التعددية السياسية دستور1989

        تُعتبر الفترة الممتدة بين 1989 و1999 من أكثر المراحل حساسيةً في تاريخ الجزائر المعاصر، فقد بدأت بآمال كبيرة نحو انتقال ديمقراطي حقيقي بعد عقود من الحكم الأحادي، لكنها انتهت بانفجار عنيف تمثل في حرب أهلية خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا. وقد تميزت هذه المرحلة بمجموعة من التناقضات: دستور ليبرالي مقابل واقع سلطوي، انفتاح سياسي مقابل عسكرة القرار، وتعددية حزبية مقابل احتكار فعلي للسلطة. سنحاول في هذه المحاضرة تفكيك هذا العقد الحاسم من خلال تسلسل زمني وتحليل سياسي ودستوري عميق.

    أولًا: من دستور 1989 إلى ميلاد التعددية السياسية

    1. السياق العام:

    • الأزمة الاقتصادية التي عرفتها الجزائر في منتصف الثمانينات، خصوصًا بعد انهيار أسعار النفط سنة 1986، أدت إلى تراجع قدرة الدولة الريعية على امتصاص الغضب الاجتماعي.
    • تصاعد الاحتجاجات، خاصة في أكتوبر 1988، حيث خرج آلاف الشباب في مظاهرات ضد البطالة، الفساد، وتراجع الحريات.
    • الرد الأمني العنيف خلف مئات القتلى والجرحى، ما دفع السلطة إلى التفكير في مخرج سياسي.

    2. دستور 1989:

    • إلغاء المادة 4 من دستور 1976 التي كانت تُكرّس قيادة جبهة التحرير الوطني.
    • الاعتراف بالتعددية السياسية، وحرية الصحافة، واستقلالية النقابات.
    • الفصل الشكلي بين الحزب والدولة، ومحاولة إعادة التوازن بين السلطات.

       بذلك يمكن القول ان دستور 1989 كان تعدديا في نصوصه، لكنه افتقر إلى ضمانات مؤسساتية. لم تكن هناك محكمة دستورية فعالة، ولا آليات تحمي التعددية من تغول الدولة أو الجيش.

    ثانيًا: انفجار الساحة الحزبية وبروز الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS)

    • بين 1989 و1991، ظهر أكثر من 60 حزبًا سياسيًا، منها اليساري (FFS، RCD)، والإسلامي (FIS، النهضة)، والوطني الديمقراطي.
    • الجبهة الإسلامية للإنقاذ حققت انتشارًا جماهيريًا سريعًا مستفيدة من نفوذها في المساجد، وشعاراتها الداعية للعدالة الاجتماعية وتطبيق الشريعة.
    • في الانتخابات البلدية لـ1990، فازت FIS بأغلبية المجالس البلدية والولائية، مما أرعب السلطة.

    1. الانتخابات التشريعية 1991:

    • الدور الأول من الانتخابات جرى في ديسمبر 1991، فازت فيه FIS بـ188 مقعدًا (من أصل 430).
    • الدور الثاني كان سيجري في يناير 1992، لكن الجيش قرر إيقاف العملية الانتخابية، وأجبر الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة.

    وهي دلالة على ان تعامل النظام مع التعددية كان انتقائيًا. بمجرد أن أصبحت الجبهة الإسلامية تشكل خطرًا على موازين القوة، تدخلت المؤسسة العسكرية تحت شعار "إنقاذ الجمهورية"، مما أدخل البلاد في مسار العنف.

    ثالثًا: انهيار المسار الانتخابي وبداية العشرية السوداء (1992–1999)

    1. المؤسسات الانتقالية:

    • تشكيل المجلس الأعلى للأمن ثم المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد بوضياف.
    • اغتيال بوضياف سنة 1992 زاد من حدة الأزمة السياسية والأمنية.

    2. تصاعد العنف المسلح:

    • ظهور الجماعات الإسلامية المسلحة: الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA) والجيش الإسلامي للإنقاذ (AIS).
    • استهداف عناصر الأمن، المثقفين، والصحفيين، وانتشار الاغتيالات والمذابح الجماعية.

    3. رد السلطة:

    • عسكرة الحياة العامة.
    • قانون الطوارئ.
    • حملة أمنية شرسة لمواجهة الجماعات المسلحة.

    أي فشل في احتواء الأزمة سياسيًا، الذهاب نحو الحل الأمني الكامل. هذا أدى إلى تآكل الشرعية المؤسساتية، وتراجع الحقوق الأساسية، وسقوط الآلاف من المدنيين.

     

    رابعًا: محاولات التهدئة في عهد الرئيس زروال (1995–1999)

    • في 1995، تم تنظيم أول انتخابات رئاسية تعددية، وفاز بها اليمين زروال.
    • تم إعداد دستور 1996، الذي أقر استحداث غرفة ثانية (مجلس الأمة) وحد من النشاط الحزبي على أساس ديني أو جهوي.
    • فتح حوار محدود مع الإسلاميين المعتدلين، وتوصل إلى هدنة مع الجيش الإسلامي للإنقاذ في 1997.

    غير انه رغم الخطوات الدستورية، إلا أن القرار الحقيقي بقي بيد المؤسسة العسكرية، وزروال واجه صعوبات في بسط سلطته، مما دفعه إلى تقليص عهدته والدعوة لانتخابات مسبقة.

    خامسًا: وصول بوتفليقة وبداية مرحلة الوئام المدني (1999)

    • انتخاب بوتفليقة بعد انسحاب جميع المرشحين المنافسين.
    • إطلاق قانون الوئام المدني سنة 1999، لتشجيع المسلحين على تسليم أنفسهم.
    • استفتاء شعبي منح الرئيس شرعية سياسية وشعبية.

    الرغم من تحقيق بعض الاستقرار الأمني، إلا أن الوئام المدني لم يكن مشفوعًا بإصلاح سياسي حقيقي، وظل منطق السلطة المغلقة قائمًا، مع تكريس مركزية القرار في الرئاسة.

    استنتاجات

    التحول الديمقراطي في الجزائر بين 1989 و1999 كان تحولًا مأزومًا منذ البداية، لأنه انطلق بنصوص متقدمة ولكن من دون ثقافة سياسية ديمقراطية ولا مؤسسات مستقلة. كانت التعددية ممكنة نظريًا، لكنها اصطدمت بجهاز دولة لم يتغير. فبدلًا من استيعاب الاختلاف، لجأت السلطة إلى الإقصاء، ودفعت البلاد إلى عشرية من الدم، انتهت بـ"مصالحة منقوصة" دون مراجعة حقيقية للنظام السياسي.

    الأسئلة التقويمية البناء المؤسسي بعد إقرار التعددية السياسية دستور1989

    1.    ما الملامح الأساسية التي ميزت دستور 1989 عن ما سبقه؟

    2.    كيف تفسر صعود الجبهة الإسلامية للإنقاذ خلال فترة قصيرة؟

    3.    هل كان إيقاف المسار الانتخابي في 1992 ضرورة لحماية الدولة أم خرقًا للمسار الديمقراطي؟

    4.    ما هي الضمانات التي افتقدها دستور 1989 لحماية التعددية؟

    5.    ما دور المجلس الأعلى للدولة في مرحلة ما بعد الانقلاب السياسي؟

    6.    ما العوامل التي ساهمت في تحول الأزمة السياسية إلى حرب أهلية؟

    7.    كيف تعامل نظام زروال مع الأزمة؟ وما هي حدود إصلاحاته الدستورية؟

    8.    ما الفرق بين الوئام المدني كسياسة أمنية والمصالحة السياسية كحل جذري؟

    9.    هل استطاع دستور 1996 تصحيح اختلالات دستور 1989؟ ولماذا؟

    10.                      إلى أي مدى أعادت فترة بوتفليقة الأولى بناء الشرعية السياسية للنظام؟