مقياس الحركات المذهبية بالغرب الاسلامي

 البعثة العمرية: مشروع دعوي تربوي علمي ،أراد"عمر بن عبد العزيز" ـ رضي الله عنه- تطبيقه في أرض إفريقيا، ركز فيه هذه المرة على فتح العقول لا فتح الأقاليم ،و إحياء القلوب وتطهير نفوس الشعوب الجديدة التي دخلت في الإسلام، من البربر وإرشادهم إلى الشريعة السمحة وتعاليمها، فكان هدف هذا المشروع إشاعة الرَُشد وبث العلم و التفريق بين الحلال و الحرام و الحرص على الأمن والتآخي و المساواة،بعد أن لاحظ العزيز أن شيوع الإسلام بها لم يكن إلا أمرًا سطحيا لا يقيها كيد الكائدين و لا يحقق فيها ما يشدَُ أزر الدين،ومن أجل نجاح هذا المشروع اختار "عمر بن عبد العزيز" ـ رضي الله عنه- عشرة من الفقهاء و العلماء ليقوموا بخدمة تعليم أهل إفريقيا مبادئ دينهم و لغتهم و نشر حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين صفوفهم لينالهم من الخير مثل الذي عم إخوانهم من أهل الحجاز والشام و العرَاق ،وهكذا كان تطلع العزيز لغزو القلوب والعقول والنفوس بدين الله فأرسل العلماء العشرة.

أعضائها:

أولا:إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر

ثانيا: بكر بن سوادة الجذامي ،أبو ثمامة

ثالثا: جُعثْل بن عاهان الرَُعيْني القتباني،أبو سعيد

رابعا:سعد بن مسعود التيجبي :أبومسعود

خامسا:وهب بن حي المعافري

سادسا:عبد الله بن يزيد المعافري الحبلي:أبو عبد الرحمن

سابعا:عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني

ثامنا:طلق بن جعبان الفارسي

تاسعا:حبان بن جبلة القرشي

عاشرا :عبد الرَّحمن بن رافع التنوخي،أبو الجهم

أهدافها:

- اختيار علماء ربانيين اشتهروا بالعلم و الفقه و الدعوة والتجرد للإشراف على التربية والتعليم.

- وضع خطة بعيدة المدى لنشر تعليم اللغة العربية،ومحو الأمية في أوساط القبائل البربرية حتى يسهل عليها بعد ذلك فهم القرآن والسنَّة و التعامل معها.

- الاهتمام بربط النَاس بالقرآن المجيد الذي هو حبل الله المتين، ويكون ذلك بفتح الكتاتيب و جمعيات تحفيظ القرآن و تجويده.

 - البلاغ الواضح المبين لعقائد أهل السنَّة و الجماعة.

- تعليم الناس الحلاَّل والحرَّام.

استراتجيتها:

1/- وضع قانون التفرغ للدعاة.

2/- حض العلماء على نشر العلم و علانيته.

3/- توجيه الأمة الى أهمية العلم.

السير المرحلي لتنفيذ الخطة العلمية :

بدايتها:

- تعيين عشرة من فقهاء التّابعين الذين توفرت فيهم الصفات العلمية والأكاديمية والسلوكية التربوية.

- تحركت القافلة العلمية الدعوية  في مهمتها الجهادية نحو بلاد المغرب.

- استمرت القافلة العلمية في تنفيذ مهمتها الجهادية في أواسط القبائل البربرية ووفق خطة إستراتجية لنشر الإيمان و إحياء السُنَّة وإماتة البدعة،و استفاضة العلم و رفع الجهل ، وإقامة العدل ،و إزالة الظلم.

- وما لبث هؤلاء الفقهاء إلاَ أن {اختط كل واحد منهم دار لسكناه و بنى بحذائها مسجدا لعبادته و مجالسه، و اتخذ بقربه كُتابا لتحفيظ القرآن و تلقين مبادئ العرَبية لصغار أطفال البلد، وأشاعوا الُرّشد ،وبثوا العلم وعلمَوا الحلال و الحرام و حرصوا على الأمن و التآخي و المؤاساة ...فكان إسلام البربر نهائيا من آثار هذه البعثة الكريمة }.

- نجحت هذه القافلة الدعويّة في مهامها الجهاديَة أيما نجاح ،اذ استطاعت في مدة وجيزة أن تبلغ دعوة الله إلى كافة أبناء تلك الأصقاع التي شملت بلاد المغرب، وامتدت عبر البحر إلى الأندلس ،و جنوب فرنسا.

 أساليبها:

أولا :بيان مقاصد الدعوة.

ثانيا: إبراز مكانة مكارم الأخلاق في الإسلام.

ثالثا:تحقيق روح العدل و الإنصاف.

العوامل التي ساعدت على نجاحها:

- الحالة السياسية: الإستقرار السياسي والهدوء النسبي.

- الحالة السلوكية الحركية : امتازت بالصدق في العمل ، والعمل قبل القول.

- الحالة النفسية الفكرية : تمثلت في استقامة قلوب هؤلاء العلماء، ولا تتأثر الشعوب بكلام إلا بكلام القلوب والذَي كان لعامل إخلاصهم  لله، وصدقهم مع ربهم ورسولهم.

- جمال الشريعة الإسلامية: لاشك بأن حق الأمة والجهاد وحق العلم البيان ،وحق الدعوة الحكمة والتدرج،لذلك فقد أخذت هذه القافلة الدعويَة من تطبيق حق الدعوة بالكلمة والتدرج في استيعاب القبائل البربرية وذلك بتقديم الإسلام و الدعوة بسهولة ويسر.

نتائج المترتبة عن نجاح هذه الخطة:

1/- اندماج الفقهاء و المتحدثين و الدعاة مع إخوانهم في الدين من البربر و غيرهم من سكان المغرب

2/-دخول كل من كانت له حاجة إلى لغة مكتوبة أو إلى أدب أهل المغرب وذلك بفضل اهتمام الدعاة بتعليم الكتابة وقواعد اللغة العربية.

3/- إسلام من بقي من البربر و معرفة النَاس الحلال و الحرام فقد كانت الخمر بإفريقيا حلالا حتى وصل هؤلاء التابعون فيبنوا تحريمها.

4/- استطاعت هذه القافلة في مدة وجيزة تبليغ الدعوة إلى كافة أبناء تلك البقاع التي شملت المغرب،وامتدت عبر البحر إلى الأندلس وجنوب فرنسا.

5/- من خلال تطبيق أخلاق الدين الإسلامي السامية دخل ابن الكاهنة –التي حاربت الإسلام و المسلمين- الإسلام و أصبح قائدا من قواد المغرب الإسلامي.

6/- نتج عن السيّر في تطبيق قواعد الدين تغير نظرة البربر حيث أصبحوا ينظرون إلى هؤلاء الفقهاء نظرة إعجاب و تقدير و الإسراع في الانضمامالثورة في المغرب العربي

ضاق الأمازيغ ذرعًا بجباة الضرائب الأمويين. يُذكر أنه بناءً على تعليمات عبيد الله بن الحبحاب بجني المزيد من العائدات من الأمازيغ، قرر عمر بن المرادي، نائبه في طنجة، إعلان الأمازيغ في سلطته «شعبًا محتلاً» وبالتالي شرع بالاستيلاء على ممتلكات الأمازيغ والأشخاص المستعبدين، وفقًا لقواعد الغزو، كانت ضريبة «الخُمس» ماتزال مستحقة تجاه الدولة الأموية (تشير الروايات البديلة إلى أنه ضاعف جزيتهم ببساطة).

حركات الخوارج:

كانت تلك القشة التي قسمت ظهر البعير. قررت قبائل شمال إفريقيا البربرية الواقعة في غرب المغرب -في البداية الغمارة وبورغواطة ومكناسة- إشعال الثورة علنًا ضد الوالي. اختاروا ميسرة المطغري قائًدا لهم، والذي زعم بعض المؤرخين العرب أنه ناقل مياه بائس  

  سنحت الفرصة في أواخر عام 739 أو أوائل عام 740 (122 هـ)، عندما تلقى القائد الإفريقي القوي حبيب بن أبي عبيدة الفهري، الذي كان قد فرض سلطته مؤخرًا على وادي سوس جنوب المغرب، تعليمات من والي القيروان عبيد الله لقيادة حملة كبيرة عبر البحر ضد صقلية البيزنطية. جمع حبيب بن أبي عبيدة قواته، وسار بالجزء الأكبر من الجيش الإفريقي خارج المغرب.

حالما ذهب حبيب الجبار بأمان، جمع ميسرة تحالفه من الجيوش الأمازيغية من حليقي الرؤوس بطريقة الخوارج الصفرية مع نقوش قرآنية مربوطة بحرابهم ورماحهم، وأمرهم بمباغتة طنجة. سرعان ما سقطت المدينة في أيدي المتمردين وقتل الحاكم المكروه عمر المرادي. في هذه المرحلة قيل إن ميسرة قد اتخذ لقب أمير المؤمنين أو «الخليفة». بعد مغادرة حامية أمازيغية في طنجة بقيادة عبد الله الحديج الإفريقي، شرع جيش ميسرة باجتياح غرب المغرب وتضخيم صفوفه بأتباع جدد وسحق الحاميات الأموية من مضيق جبل طارق حتى السوس. كان إسماعيل بن عبيد الله، نجل أمير القيروان، أحد الحكام المحليين الذين قُتلوا على يد الأمازيغ.

فاجأت الثورة الأمازيغية الوالي الأموي في القيروان، عبيد الله بن الحبحاب الذي امتلك عدد

قليل جدًا من القوات تحت تصرفه. بعث على الفور رُسلًا إلى قائده الحبيب بن أبي عبيدة الفهري في صقلية وأمره بإيقاف الحملة وإعادة الجيش الإفريقي على الفور إلى إفريقيا. في غضون ذلك، حشد عبيد الله رتلًا ثقيلًا من سلاح الفرسان، مؤلفًا من النخبة العربية الأرستقراطية في القيروان. وضع النبلاء تحت قيادة خالد بن أبي حبيب الفهري، وأرسله إلى طنجة لاحتواء المتمردين الأمازيغ، في انتظار عودة حبيب من صقلية. وُضع جيش احتياطي أصغر تحت قيادة عبد الرحمن بن المغيرة العبدري وأُمر بالدفاع عن تلمسان في حال اختراق جيش المتمردين الأمازيغ الرتل ومحاولتهم السير نحو القيروان.

خريطة تُظهر حدود الخلافة الأمويَّة في سنة 128هـ / 746م، وتُظهر خروج المغربان الأوسط والأقصى من نفوذها نتيجة ثورة البربر.

واجهت قوات ميسرة الأمازيغية طليعة الرتل الإفريقي لخالد بن أبي حبيب في مكان ما في ضواحي طنجة بعد مناوشات وجيزة مع الرتل العربي، أمر ميسرة فجأة الجيوش الأمازيغية بالتراجع إلى طنجة. لم يستسلم قائد سلاح الفرسان العربي خالد بن أبي حبيب، لكنه أوقف صفوفه جنوب طنجة محاصرًا المدينة التي يسيطر عليها البربر في انتظار التعزيزات من حملة صقلية بقيادة حبيب.

خلال هذا المتنفس، أعاد   الأمازيغ تنظيم صفوفهم وقادوا انقلابًا داخليًا. سرعان ما خلع زعماء القبائل الأمازيغية ميسرة وأعدموه وانتخبوا زعيم قبيلة زناتة الأمازيغي خالد بن حامد الزناتي ليكون «الخليفة» الأمازيغي الجديد. مايزال الغموض يلف أسباب سقوط ميسرة. من المحتمل أن الخوف المفاجئ أمام رتل سلاح الفرسان العربي أثبت عدم كفاءته عسكريًا، ربما لأن الدعاة الصفريين المتزمتين وجدوا عيبًا في تقوى شخصيته، أو ربما ببساطة لأن زعماء قبيلة زناتة شعروا بأنهم يستحقون قيادة الثورة كونهم أقرب إلى جبهة إفريقية.

اختار الزعيم الأمازيغي الجديد خالد بن حامد الزناتي مهاجمة الرتل الإفريقي الخمول على الفور قبل تعزيزه. سحق المتمردون الأمازيغ بقيادة خالد بن حامد وأبادوا سلاح الفرسان العربي لخالد بن أبي حبيبة في مواجهة عرفت باسم معركة النبلاء نتيجةً لمذبحة صفوة النبلاء العرب الإفريقيين. هذه الواقعة مؤرخة مؤقتًا بين أكتوبر-نوفمبر، نحو العام 740.

تُظهر الاستجابة العربية الفورية على الكارثة فجائية هذا الانقلاب. مع الخبر الأول لهزيمة النبلاء، أصيب الجيش الاحتياطي لابن المغيرة في تلمسان بالذعر. عند رؤية الدعاة الصفريين في كل مكان في المدينة، أمر القائد الأموي قواته العربية المتوترة بإجراء سلسلة من الاعتقالات في تلمسان، انتهى العديد منها بمذابح عشوائية. أثار هذا انتفاضة شعبية واسعة في المدينة الهادئة حتى تلك اللحظة. سرعان ما طرد سكان المدينة الأمازيغ القوات الأموية. انتقلت جبهة ثورة البربر الآن نحو منطقة المغرب الأوسط (الجزائر

وصل الجيش الصقلي للحبيب بن أبي عبيدة، لكن الأوان كان قد فات لمنع مذبحة النبلاء. بعد أن أدركوا أنهم ليسوا في وضع يمكنهم من مواجهة الجيش الأمازيغي بأنفسهم، تراجعوا إلى تلمسان لجمع الفرق الاحتياطية ليجدوا أن تلك المدينة أيضًا انحدرت لحالة من الفوضى الآن. هناك، التقى حبيب بموسى بن أبي خالد، وهو قائد أموي راوح مكانه بشجاعة بالقرب من تلمسان جامعًا القوات الموالية التي أمكنه إيجادها. كانت حالة الذعر والارتباك شديدة لدرجة أن حبيب بن أبي عبيدة قرر إلقاء اللوم على القائد البريء بتسببه الفوضى بأكملها وقطع إحدى يديه وإحدى ساقيه عقابًا له.

حصّن حبيب بن أبي عبيدة ما تبقى من الجيش الإفريقي في محيط تلمسان (ربما حتى تيارت)، وناشد القيروان بإرسال تعزيزات. وأُحيلت الدعوة إلى دمشق.

قيل إن الخليفة هشام، عند سماعه النبأ الصادم، هتف: « والله لأغضبنَّ لهم غضبة عربية ولأبعثنَّ جيشًا أوله عندهم وآخره عندي!» إلى هذا الدين العظيدولة الإباضية في الجزائر

خريطة الدولة الرستمية الإباضية في أقصى اتساع لها.

لاقى النشاط التبشيري الإباضي نجاحًا كبيرًا في شمال إفريقيا. وفي 757م استولى الإباضيون على طرابلس واستولوا على القيروان في العام التالي. بعد أن طردهم الجيش العباسي عام 761م، أسس قادة الإباضية الدولة الرستمية في وهي مدينة تيارت بالجزائر، والتي أصبحت تعرف بالسلالة الرستمية. أطاح بها العبيديون الفاطميون عام 909م. تستمر المجتمعات الإباضية في الوجود في جبال نفوسة في شمال غرب ليبيا، وجزيرة جربة في تونس ووادي مزاب في الجزائر

دخول المعتزلة إلى المغرب وأثرهم السياسي والاقتصادي والثقافي:

عرف المغرب – قبل استقرار المذهب الأشعري فيه – مجموعة من الفرق العقدية والمذاهب الكلامية، فقد كانت الفرق والمذاهب تبث وتنشر أفكارها ومعتقداتها عن طريق البعثات التي كانت تقوم بإرسالها إلى مختلِف البلدان سواء في المشرق أو في المغرب.

وهذا ما فعلهُ المعتزلةُ أيضاً، فإن النصوص التاريخية تؤكد لنا أن الفكر الاعتزالي انتشر مبكراً في بلاد المغرب، وأن مجموعة من القبائل المغربية كانت تتبنى فكر المعتزلة وعقيدتهم. وبالرغم من دخول هذه الفرقة إلى المغرب في وقت مبكرٍ، إلا أنه مع ذلك، لا نكاد نجد دراسات خاصة وشاملة لهذه الفرقة -مقارنة بباقي المذاهب الأخرى- اللهم بعض الشذرات المنثورة هنا وهناك في بطون كتب التاريخ، وفي بعض البحوث الحديثة.

فمتى وكيف انتشر الفكر الاعتزالي بالمغرب ؟ وما هي أهم الآثار الناتجة عنه من الناحية السياسية والاقتصادية والثقافية ؟  

من المعلوم أن واصل بن عطاء (ت 131هـ) مؤسس المذهب الاعتزالي، أرسل أتباعهُ إلى شتى بقاع الأرض، لتبليغ دعوته(1)، وكان ممن أرسله إلى المغرب، عبد الله بن الحارث المعتزلي، فتلقى الناس دعوتهُ بالقَبول، وفي ذلك يقول أبو القاسم البلخي (ت 327هـ) :” وفرَّق رسله في الآفاق يدعون إلى دين الله، فأنفذ إلى المغرب عبد الله بن الحارث، فأجابه الخلق ”، ولما انتشر المذهب الاعتزالي بالمغرب الأقصى أُعجب بذلك معتزلة المشرق، فقال شاعرهم صفوان الأنصاري:

له خلف شعب الصين في كــل ثغرة إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر

رجـال دعــاة لا يَفُـــلّ عـــــزيمَهـــم تهكـــــم جبـار ولا كيــــــد ماكر

وممن مظاهر إجابة دعوة رسول واصل بن عطاء إلى المغرب، أن عدداً من المدن والقبائل كانت تتبنى المذهب الاعتزالي، على رأسها:

قبيلة أوْربة: وهي في ذلك الوقت أعظم قبائل بلاد المغرب، وفيها مدن كثيرة ، وكانت هذه القبيلة على مذهب المعتزلة، ومما يؤيد ذلك أن زعيمهم عبد الحميد الأوربي كان معتزلياً، وعندما فرَّ المولى إدريس الأول من المشرق، نزل عندهُ، وتذكر كتب التاريخ أنه وافقهُ وتابعه على مذهبه سنة 172هـ.  

بلدة طنجة: وعن انتشار المعتزلة فيها يقول ابن الفقيه الهمدني:”قالوا: وبلاد طنجة مدينتها – أي عاصمتها -وليلة، والغالب عليها المعتزلة، وعميدهم اليوم إسحاق بن محمّد بن عبد الحميد، وهو صاحب إدريس بن إدريس، وإدريس موافق له

بلدة البيضاء: وقد ذكر البلخي أن فيها مائة ألف يحملون السلاح، يقال لهم الواصلية ، ويؤكد ذلك القاضي عبد الجبار (ت 415 هـ) بقوله:”… وبالمغرب الآن منهم شرذمة قليلة، في بلد إدريس بن عبد اللّه الحسيني، الذي خرج بالمغرب في أيام أبي جعفر المنصور، ويقال لهم الواصلية”

قبيلتي زناتة ومزابة : وهما قبيلتان عظيمتان بالمغرب، الغالب عليهم الاعتزال من أصحاب واصل بن عطاء كما أشار إلى ذلك ابن حوقل (ت367 هـ) في صورة الأرض  

مدينة أيزرج: وهي مدينة تلي تاهرت، وقد كانت تحت ملك إبراهيم بن محمّد البربرىّ المعتزلي

وبهذا يتضحُ أن الفكر الاعتزالي قد دخل إلى المغرب الأقصى في وقت مبكر، وأن هذا الدخول يعودُ إلى بداية القرن الثاني الهجري، مع أولى البعثات التي أرسلها واصل بن عطاء، والملاحظُ أيضاً أن المعتزلة كانت لهم اليد اليمنى في تأسيس دولة الأدارسة، فإن محمد بن إسحاق، أمر قبيلتهُ بطاعة إدريس الأول وتعظيمه(11)، ولعل من أبرز المحفزات التي جعلت المعتزلة يقبلون دعوة إدريس الأول، أنهم كانوا يعدون عبد الله بن الحسن إدريس الأكبر من رجال الطبقة الثالثة من طبقاتهم ، وهذا بشكل عام أسهم في انتشار المعتزلة وتوسعهم في المغرب الأقصى، حتى سمي “بلد المعتزلة” كما أشار إلى ذلك ابن خرداذبة (ت280 هـ) بقوله:” ووراء تاهرت مسيرة اربعة وعشرين يوما بلد المعتزلة وعليهم رئيس عادل وعدلهم فائض وسيرتهم حميدة ودارهم طنجة ونواحيها” ، وقد بلغ عدد الواصلية بالمغرب فيما بعدُ حسب ابن خلدون (ت808 هـ)، ثلاثين ألفا ظواعن ساكنين بالخيام، سنة 176هـ

ولم تقتصر حركة المعتزلة على المغرب الأقصى فقط، بل نجد تحركاتٍ مماثلة لها في المغرب الأوسط، والمغرب الأدنى أيضاً.

ففي المغرب الأوسط نجدُ في فترات من تاريخه، وقائع الخلاف والتقارب بين المعتزلة، وبين الإباضية الرستمية، ومن الموضوعات التي شارك فيها الإباضية رأي المعتزلة، موضوعات خلق القرآن، وتأويل آياته

والشيء نفسه في المغرب الأدنى في القيروان، فقد وفدت إليه مجموعة من المذاهب، يعنينا الآن منهما مذهبان: مذهب الإمام مالك، ومذهب المعتزلة، وقد جرى بين هذين الاثنين مناقشات حادة، ومناظرات جادة، لاسيما في قضية خلق القرآن، وتذكر المراجعُ أن الغلبةَ كانت يؤمئذٍ للمالكية، وأن المعتزلة لم يقووا على مجاراتهم !!  . والحقيقةُ أن هذه الغلبة كانت مقرونةً بالسلطة، وهذا الذي يظهرُ من خلالِ الوقوف على تراجم مناظري المعتزلة من المالكية بإفريقية، فقد كان جلهم من القضاة.  

إلا أن هذا الانتشار والحضور المكثف للمعتزلة بالمغرب، في نظر أحد الباحثين لم يعمر طويلاً؛ لأننا لا نعثر في الفترات التالية إلا على أخبار تتعلق بأفراد رجعوا من المشرق، وقد استهوتهم آراء المعتزلة، فاعتنقوها، وحاولوا الدعوة إليها، وظلت تكتسي الصبغة الفردية دون أن تؤول إلى تيارٍ عامٍّ

ويرى د. حسن محمود أن للمالكية دوراً هاماً في أفول نجمهم بالمغرب الأدنى، يقول:” فلما امتحن أهل المغرب بمحنة خلق القرآن، وتفشت آراء المعتزلة والقدرية، كان المالكيون أشد الناس لهم حرباً، وأكثرهم عنفاً في مقاومتهم…، حتى كتب الله لهم الظفر وأعز الله بهم الإسلام، ورفع كتابه وسنة نبيه، وهزمت المعتزلة، حتى لم يبق لها بالقيروان رأي ولا أتباعٌ، ولم يجد الأمراء مفرا من النزول على رأي المالكية  

كان للمعتزلة مشاركات هامة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية بالمغرب، خصوصاً وأنهم كانوا يشكلون شريحة عريضة من المجتمع المغربي آنذاك، وسنحاول في هذا المبحث رصد أهم الآثار التي تركها المعتزلة في بلاد المغرب عبر الحديث عن كل ناحية من النواحي الثلاث على حدة.

أ. من الناحية السياسية:

1. مساعدتهم على قيام وتأسيس الدولة الإدريسية بالمغرب الأقصى، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، إذ إن عبد الحميد الأوربي كان معتزلياً، واستقبل إدريس الأول الذي كان زيديا، ودعا الناس إلى مبايعته سنة 172هـ.  ، ويرجعُ د. محمود إسماعيل هذا التوافق والانسجام الذي حصل بين الطرفين إلى أن عبد الحميد الأوربي كان يعلم سلفاً بقدوم إدريس لتولي حكم هذه الدولة؛ ولذا كانت قبيلة أوربة تعدُّ الجند والسلاح، حيث أن البيضاء وحدها كانت تحتوي على مائة ألف معتزلي يحملون السلاح، أضف إلى ذلك، أن هنالك قواسم مشتركة بين كل من الزيدية والمعتزلة، فقد تعرضا معاً للاضطهاد من قبل بني العباس

2. استطاع المعتزلة أن يكونوا جيشاً لايستهان به في المغرب، وقد سبق ذكر أن البيضاء وحدها كانت تحوي مائة ألف من الواصلية يحملون السلاح (22)، وهو الأمر الذي لانكاد نجده عند معتزلة المشرق، هذا إضافةً إلى عملية التجييش التي قام بها إدريس الأول – عندما تولى الحكم – والتي ضاعفت من جيش المعتزلة، فإن قبيلتي أوربة وزناتة كانتا من أبرز القبائل التي جيّشها إدريس واعتمد عليها في حروبه

3. تقلد المعتزلةُ في ظل الدولة الإدريسية مجموعة من المناصب السياسية والدينية، وشاركوا في إدارة شؤون دولة المغرب الأقصى، فقد اتخذ إدريس الأول وزرائه، وقادته العسكريين من قبيلة أوربة الاعتزالية(24)، والشيء نفسه نجده في المغرب الأدنى في عهد الأغالبة، فقد تولى بعض المعتزلة القضاء، لتبعية الأغالبة للدولة العباسية سياسيا ومذهبيا، فانقلبت الدائرة على خصومهم من المالكية

ويتضح أن الدور السياسي للمعتزلة بالمغرب عموما فيه نوع من الغموض والتعتيم، مع شح في المادة العلمية، – اللهم تلك الشذرات التي ذكرناها آنفاً – ولعل هذا هو السر الذي جعل أحد الباحثين يشير إلى أنه: “بالرغم من الدور السياسي الذي اضطلعت به المعتزلة بالمغرب، إلا أنه تم التعتيم على أخبارها، واقتصر جل اهتمام الدراسات على إبراز دورها الفلسفي، فضلاً عن إظهارها بصورة المتزندق الخارج عن الدين، مع إغفال إسهاماتها ودورها السياسي”

ب- من الناحية الاقتصادية:

لم يقتصر نشاط المعتزلة بالمغرب على الجانب السياسي فقط، بل إننا نجد أيضاً نشاطاً اقتصاديا مزدهراً عرفته المناطق والقبائل التي كان المعتزلة يقطنون فيها، وهو ما يمكن أن نستدل به على أن المعتزلة كانت لهم إسهامات في مختلِف المجالات في بلاد المغرب.

وبالعودة إلى الجانب الاقتصادي في المغرب، يصف صاحب صورة الأرض بلاد إفريقية إلى آخر أعمال طنجة، بأنها بلاد مسكونة ومدن متّصلة الرساتيق والمزارع والضياع والمياه..، وكانت طنجة بلاد الزرع والحنطة والشعير والحبوب والمياه، وأكثر أموال أهلها من ذلك…، وأما زناتة، فيشير ابن حوقل إلى أنها قريةٌ كبيرة كثيرة الزرع والمياه،  

وكان لمزاتة المعتزلية غَلات من القطن والحنطة والشعير، وتكثر عندهم المواشي من الدوابّ والأنعام والبقر

والملاحظ أن المناطق التي كان فيها المعتزلة، غنيةٌ بالمنتوجات الفلاحية والزراعية بشكلٍ عام.

وقد ازدهرت الصناعة أيضاً في بعض مدن المغرب، خاصة في عهد الأدارسة؛ إذ استغلوا ثروات المناجم، سواء مناجم الفضة أو مناجم النحاس، كما كانت بعض المنتوجات تصدّر إلى خارج المغرب، كالجلد الفاسي الذي كان يُصدر إلى بلاد السودان، وتصدير الأدوات الخشبية التي تنتجتها بلاد الريف إلى الأندلس

إن هذا الازدهار الفلاحي والصناعي في المغرب بطبيعة الحال، أدى إلى ظهور حركة تجارية نشطة، ولاسيما في مناطق المعتزلة، فقد كانوا مسيطرين على أهم الخطوط التجارية، كتلمسان والقيروان وغيرهما.

وكانت تلمسان تعد قاعدة المغرب الأوسط، لها أسواق ومساجد ومسجد جامع، وأشجار وأنهار، وهي دار مملكة زناته – المعتزلية -، وموسطة قبائل البربر، ومقصِدٌ لتجّار الآفاق، وأما القيروان فكانت أعظم مدينة بالمغرب، وأكثرها تجارةً وأموالا وأحسنها منازل وأسواقا(30)، ولا يخفى أن القيروان غلبَ عليها الاعتزالُ في عهد الأغالبة

وبالتالي: يمكن القول أن المعتزلة تمكنوا مِن القيام بدور ملحوظ في النشاط التجاري، مِن خلال المناطِق التي تركَّزوا فيها، فاتَّخذت المعتزلة مِن العمل بالتجارة وسيلةً لنشر مذهبِها، وتمكَّنت مِن استمالة عدد مِن القبائل إليها

ج- من الناحية الثقافية:

أما الأثر الثقافي الذي تركه المعتزلة في بلاد المغرب، فيتجلي في الحركة الفكرية التي قاموا بها، والتي اتسمت بطابع الجدال والنقاش من خلال عقد المناظرات مع بقية الفرق الأخرى.

ويحكي لنا صاحب طبقات مشايخ المغرب عن المناظرات التي حصلت بين فرقتي الواصلية، والرستمية الإباضية، وأبرزها: المناظرة التي جرت بين عبد الوهاب بن رستم وبين أحد الواصلية، وكانت الغلبةُ يؤمئذ للواصلي المعتزلي، الأمر الذي جعل عبد الوهاب يطلب من أهل نفوسة أن يمِدوه بأربعة رجال، يكونُ أحدهم عالماً بالمناظرة وبالرد على المخالفين

وكان الواصلية لا يأبون سوى المناصبة، ويطلبون المناظرة؛ ولذا جرتٌ مناظرةٌ أخرى – على مرآى ومسمع من الناس- بين الواصلي المعتزلي، وبين مبعوث نفوسة: مهدي الويغوي، وكانت من أقوى المناظرات التي عرفها الفريقين، يقول الدرجيني واصفاً إياها :” … ثم تناظرا، فجرت بينهما وجوهٌ من المناظرة، والناس يعلمون ما يقولون، فلم يظفر أحد بصاحبه، ثم دخلا في مناظرات لم يفقهها أحدٌ غير الإمام، ثم دخلاً في وجوهٍ لم يفقهها أحدٌ ولا الإمام  

فمثل هذه المناظرات ذات المستوى العالي، لابد وأن يكون لهُ أثر على بقية الأفراد، ولاسيما على النخبة المثقفة بالذاتِ؛ ولذا تأثرت الإباضية ببعض آراء المعتزلة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

ولما تبنى بعض الحكام الأغالبة المذهب الاعتزالي، تفشت قضية “خلق القرآن” في إفريقية وتناظرت المذاهب فيها، وكان النقاشُ محتدماً بين المالكية والمعتزلة، إلا أن هذا النقاش اقترنَ بشيءٍ من الاضطهاد وممارسة السلطة، من كلا الطرفين، إذ كان للحاكم زيادة الله الأغلبي قاضيان، أحدهما مالكي، والآخر معتزلي، وكلُّ قاضٍ منهما مارس السلطةَ في فرضِ عقيدته ومذهبه

وعموماً، فقد أثر معتزلة المغرب على بقية الفرق الأخرى فكريا وثقافيا، وهذا التأثيرُ إما تأثيرٌ مباشرٌ عن طريق الاشتراك في بعض معتقدات المعتزلة، كما هو الحال بالنسبة للإباضية، وإما تأثيرٌ غير مباشرٍ عن طريقِ إكساب الفرق الأخرى طابع الجدل والمناظرة، كما حصل الأمر مع المالكية

ان المذهب السائد في بلاد إفريقية (تونس) - القيروان، وما وراءها من بلاد المغرب - مذهب الكوفيين، إلى أن غمرها المذهب المالكي؛ بواسطة تلاميذ الإمام مالك الوافدين إليه منها، والذين يربو عددهم على الثلاثين تلميذاً. وكان من أبرزهم أثراً أوائل الداخلين إليها: علي بن زياد (ت 183 هـ) مؤسس المدرسة بإفريقية، وعبد الرحيم بن الأشرس، والبهلول بن راشد (ت 183 هـ)، وعبد الله بن غانم (ت 190 هـ)؛ الذين يمثِّلون حجر الأساس في هيكلة المذهب المالكي بالمغرب. ثم جاء بعدهم تلميذا ابن زياد: أسد بن الفُرات (ت 213 هـ)؛ الذي كان له أعظم الأثر في تدوين فقه المدرسة؛ من خلال كتابه (الأسَديَّة)، وسُحنون (ت 240 هـ)؛ الذي غلب المذهب في أيامه، بعد أن أنتجت هذه المدرسة بتعاونها مع المدرسة المصرية ذاك الأثر الفقهي الخالد (المدوَّنة)؛ أملاها ابن القاسم بمبادرة من أسد بن الفُرات، وتحرير سُحْنون وتدقيقه، وتولَّت المدرسة التونسية القيروانية ضمان الحياة لها بنشرها وتدريسها. ثم خلَف هؤلاء كوكبة أخرى؛ من أبرزهم: أبو بكر اللبّاد (ت 333 هـ)؛ أحد حفاظ المذهب، وابن أبي زيد القيرواني (ت 386 هـ)؛ الذي استطاع أن يجمع ما تناثر من روايات وآراء لأئمة المذهب في كتابه الكبير: (النوادر والزيادات). وقد تمخَّضت المدرسة التونسية عن مدرسة مالكية أخرى هي: مدرسة فاس، والمغرب الأقصى، وهي في حقيقتها امتداد علمي لمدرسة تونس منهجاً وآراءً. وتأسست على يد درّاس بن إسماعيل (ت 357 هـ)؛ أوَّل من أدخل مدوَّنة سحنون إلى فاس، وعَمَر جامع القرويين بفقهه، كما عَمَر علي بن زياد جامع الزيتونة بعِلمه. وهذه المدرسة وإن تأخَّر ظهروها، إلا أنها أضحت فيما بعد الممثل للمذهب المالكي في المغرب العربي والأندلس، بعد أن صمدت -وأختها التونسية- في وجه الهزَّات السياسية الكثيرة، وخاصة جَور العُبَيديِّين، وظلمهم، واضطهادهم؛ حتى إذا ضعف العبيديُّون رجعت إليها قوَّتها، ونشط علماؤها في بث المذهب، وتصنيف المصنفات الجليلة؛ التي طار ذكرها في الآفاق. وتتميز هذه المدرسة بالعناية بتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار التي رواها الإمام من حيث دلالتها على الأحكام الشرعية، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع؛ وذلك لأن هذه المدرسة تعتبر نتاج المدارس السابقة؛ ولذلك حاولت جمع ميزات تلك المدارس كلها.

خامساً: المدرسة الأندلسية

كان أهل الأندلس منذ فُتِحَت على رأي الأوزاعي (ت 157 هـ)، وحتى أواخر عهد الأمير هشام الرضا ( 172-180هـ)، حتى جاءهم مؤسس المدرسة المالكية بها: زياد بن عبد الرحمن، الملقب بـ (شَبْطون) (ت 193 هـ)؛ أول من أدخل موطأ الإمام مالك إلى الأندلس؛ متفقِّهاً بالسماع منه. وكانت الأسباب في انتشار المذهب المالكي في الأندلس هو العداوة والبغضاء بين الأمويين والعباسيين أولًا، بالإضافة إلى تناسب طبيعة أهل الأندلس مع طبيعة أهل الحجاز في البساطة عكس أهل العراق  ويرجع الفضل في تثبيت مذهب مالك في الأندلس إلى يحيى بن يحيى الليثي تلميذ زياد، قبل أن يرحل إلى الإمام مالك؛ فقد كان المستشار الأول للخليفة عبد الرحمن بن الحكم، وكان الخليفة لا يستقضي قاضياً، ولا يعقد عقداً إلا عن رأيه؛ فمكَّن للمذهب وأهله. ثم حمله بعده تلميذه العُتْبي (ت 254 هـ)؛ الذي أخذ عنه كما أخذ عن الإمام سحنون، ثم دوَّن (مستخرجته)؛ التي جمع فيها أقوال مالك وأصحابه؛ فاعتنى بها أهل الأندلس، وعكفوا عليها، واعتمودها، وهجروا ما سواها. ثم أفضى الأمر بعده إلى تلميذه ابن لُبابة (ت 314 هـ)، ولم تزل هذه المدرسة يذيع صيتها، ويطير ذِكرها في الأندلس، إلى أن ابتلى الله أهل قرطبة بفتنة البربر في مطلع القرن الخامس؛ فمات بسببها كثير من العلماء، وفرَّ كثيرون إلى فاس وتلمسان وغيرها؛ فضعفت المدرسة في الأندلس، وزاد من ضعفها عدم اعتناء أهلها بالعلوم العقلية والاستدلال، وانكبابهم على دراسة المسائل والفروع الجزئية؛ حتى كاد الفقه يموت؛ لولا أن الله تعالى مَنَّ بالإمام أبو الوليد الباجي (ت 474 هـ)؛ الذي رحل إلى المشرق، ودرس على كبار علمائه؛ كالإمام عبد الله بن أحمد الهروي المالكي (ت 435 هـ)، ثم عاد إلى الأندلس بعلم غزير، وأقبل على التدريس والتصنيف؛ جامعاً بين طريقة النُّظّار من البغداديين، وحذّاق القرويين، والقيام بالمعنى والتأويل؛ فلقى منهجه قبولاً كبيراً لدى كبار علماء الأندلس؛ كابن رشد الجد (ت 520 هـ)، وأبي بكر الطرطوشي (ت 520 هـ)؛ تلميذ الباجي، وشيخ الإسلام القاضي عياض (ت 544 هـ)، وغيرهم.

وجاء بعد هؤلاء كوكبة من العلماء اتجهت إلى جمع المذهب فروعاً وقواعد؛ كابن الحاجب (ت 646 هـ)، وشهاب الدين القرافي (ت 684 هـ)، وخليل بن إسحاق الجندي (ت 767 هـ) صاحب المختصر الفقهي، ولكن هؤلاء اتجهوا في طريقتهم إلى الاختصار، واعتماد آراء معيّنة في الفقه، واعتبارها هي المذهب؛ مما حدا ببعض علماء المذهب من الأندلسيين كالشاطبي (ت 790 هـ)، ومن غيرهم كابن عرفة التونسي (ت 803 هـ)؛ إلى اعتبار ذلك قتلاً للفقه، محاولين في الوقت نفسه إعادة بعث طريقة النُّظار والمحقّقين، المعتنين بالاستدلال والتعليل. وقد استمرت هذه المدرسة في قوتها ونشاطها إلى أن سقطت الأندلس سنة (897 هـ)؛ حيث هاجر علماؤها إلى شمال أفريقيا، وتركّزت إقامتهم غالباً في فاس بالمغرب، والقيروان بتونس؛ وتلمسان بالجزائر؛ فغابت المدرسة الأندلسية عن بلدها الأندلس، ولكن بقي حضورها العلمي ماثلاً من خلال انصهارها مع مدرسة المغرب.

وهذه المدرسة تُعَدُّ في آرائها الفقهية امتداداً علمياً للمدرسة التونسية؛ لقوة الاتصال بين المدرستين، وتداخل نشاطهما العلمي؛ ولهذا فإن العلماء المغاربة في اصطلاح المتأخرين: يُشار بهم إلى علماء من كِلا المدرستين: ابن أبي زيد (ت 386 هـ)، وابن القابسي (ت 403 هـ)، وابن اللباد (ت 333 هـ)، وأبو الوليد الباجي (ت 474 هـ)، وأبو الحسن اللخمي (ت 478 هـ)، وأبو القاسم بن محرز القيرواني (ت 450 هـ)، وابن عبد البر (ت 463 هـ)، وأبو بكر بن العربي (ت 543 هـ)، ونظرائهم من فحول علماء المالكية المغاربة. والمقدَّم عند المالكية عند الاختلاف بين هذه المدارس -سواء كان الخلاف في الرواية عن مالك، أو كان خلافاً في تشهير الأقوال- هو: تقديم المدرسة المصرية، ثم المغربية، ثم المدنية، ثم العراقية، وإنما اكتسب من اكتسب منها التقديم بالاعتماد على راوية ابن القاسم؛ فإن روايته وتشهيره مقدَّمان على رواية وتشهير من سواه

المذهب الظاهري:

أما في الغرب فقد أمعن أهل الأندلس في الرحلة إلى المشرق وأكثروا من ذلك ، وكانت منهم في منتصف القرن الثاني الهجري طائفة رحلت إلى العراق، فحملت معها المذهب الظـاهري وأدخلته إلى الأندلس، ولعل أول منتحل للقول بالظاهر من أهل الأندلس عبد الله بن محمد ابن قاسم بن هلال القيسي*، الذي يفاخر به ابن حزم في قوله: «وإذا نعتنا عبد الله بن قاسم بن هلال، ومنذر سعيد، لم نجار بهما إلا أبا الحسن ابن المغلس والخلال والديباجي ورويم بن أحمد…» ، وكان أن عاد في هذا الوقت بقي بن مخلد من المشرق ، فملأ الأندلس حديثا: و«كان بحراً يحسن تأدية ما روى، ولم يكن يتقلد مذهباً، ينتقل مع الأخبار حيث انتقلت» ، وأصبحت الأندلس ببقي بن مخلد ومحمد بن وضاح القرطبي ، دار حديث وأثر، وقوي العمل بالنصوص وحدها، وأُظهرت السنن والآثار، وقـل الاعتماد على رأي الرجال، وألف أبو محمد قاسم بن أصبغ البياني التآليف الحسان في السنة كالمجتبى، وغرائب حديث مالك من أنس مما ليس في الموطأ وغير ذلك ، وأظهر القول بالظاهر القاضي المنذر بن سعيد البلوطي، قال الحميدي: «قال لنا أبو محمد علي بن أحمد ­ابن حزم­ وكان مائلا إلى القول بالظاهر، قويا على الانتصار لذلك» ، وانقطع القول بالظاهر بعد وفاة منذر بن سعيد البلوطي إلى أن ظهر مسعود بن سليمان بن مفلت ، الذي «كان داودي المذهب، لا يرى التقليد» ، فأحيا ما درس من الأثر، وبعث ما ذهب منه.

     ولعل الظاهرية انكمشت بعد وفاة منذر بن سعيد، ومجيء المنصور بن أبي عامر الحاجب (326 هـ­396 هـ)، فقد كان مالكيا يمنيا قحطانيا، وكانت اليمنية هي الحاكمة في ذلك العصر، وحمل لواء القول بالظاهر بعدُ ابن حزم الذي أصل قواعده، وبين أركانه في كتب دونها، ومناظرات عقدها، فكان بذلك الباعث له في الغرب الإسلامي.

ثانيا: نزعة الاستقلال الفكري عند ابن حزم وجداله عن الظاهرية

     إن المذهب الظاهري كان «مشروعا» للإمام ابن حزم و«منهج» حياة سيطر عليه في مناحي سلوكه العلمي والمعرفي، فقد نشأ الإمام ابن حزم شافعيا ، ثم تحول إلى القول بالظاهر، ونصر ذلك، وجادل عنه، فأوذي وعودي، ونجد الباعث على أسباب ظاهرية ابن حزم مبثوتا في طيات قراطيسه، وثنايا صفحات كتبه، وفي تضاعيف آرائه وأقواله ومناظراته التي حفظها لنا التاريخ، ولنقل في مشروعه الفكـري الكامل الذي قدمه للأمة، ولا غرو في أن هناك سرا وراء اختياره للمنهج الظاهري، تقاسمته الأسباب الذاتية الشخصية والدوافع الموضوعية، وهذه الأخيرة حاضرة بقوة في هذا الاختيار والتوجه، مما أدركت معه أنني أمام شخصية فكرية عظيمة، ذابت ذاتيتها، وانصهرت في سبيل مصلحة الأمة، وأملا في غدها الأفضل، وهذه أولى سمات المفكر، ولو أراد الدنيا لأتته منقادة تجرجر أذيالها، اسمعه وهو يقول: «ما أردنا قط الترؤس على أمثالهم، ولو أردنا ذلك لسلكنا سبيلهم في التقليد، ولو فعلنا ذلك لما شقوا غبارنا في الرئاسة في الدنيا» ، هذا وقد أرجع بعض العلماء أسباب ظاهرية الإمام ابن حزم إلى أمور منها:

ـ فساد أحوال الفقهاء في عصره وتبريرهم لتصرفات الحكام، إذ غلب على فقهاء عصره التملق لأمراء الطوائف، فوطئوا بساطهم، وأكلوا من موائدهم، وتفيأوا ظلال قصورهم، فنقص ذلك من دينهم، وتحيف من علمهم، فاسترسلوا في الفتاوى الجائرة التي تعين على ظلم فتنصر حاكما وتؤيد مستهتر ، ومما يعضد ذلك ويقويه: ما يذكره المؤرخون من أن جماعة من الفقهاء، أفتوا بجواز ولاية عبد الرحمن شنجول، وأذاعوا حديثا نسبوه إلى رسول اللهe: قالوا فيه: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه”، وكان عبد الرحمن قحطانيا» ، ولقد أعلن ابن حزم رأيه في هؤلاء الفقهاء إعلانا لم يخش فيه ملامة، حينما قال لمن استنصحه: «… فلا تغالطوا أنفسكم، ولا يغرنكم الفساق، والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزينون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم على فسقهم»

ـ طريقة استعمال القياس عند القائلين به، فتوطدت لذلك أركانه، ووضحت معالمه، وصار في بعض المذاهب رابع الأصول الثلاثة[ ، وغلت طائفة في استعمال القياس، فاضطربت في القول، وأخذت به مرة، وتركته مرة، يقول ابن قتيبة واصفا حال هذه الطائفة: «يختلقون ويقيسون، ثم يدعون القياس، ويستحسنون ويقولون بالشيء، ويحكمون به ثم يرجعون» ، وراع الإمام ابن حزم حال أهل القياس وما هم عليه من شدة الخلاف، فأثر ذلك في نفسه نفرة منهم، وجفوة لأصولهم يقول: «وجميع أهل القياس مختلفون في قياساتهم، لا تكاد توجد مسألة إلا وكل طائفة منهم تأتي بقياس تدعي صحته، تعارض فيه قياس الأخرى، وهم كلهم مقرون مجمعون على أنه ليس كل قياس صحيحا، ولا كل رأي حقا»

ـ ظهور التقليد في عصره وجمود الفقهاء عليه: غلب على فقهاء مالكية الأندلس في عصر ابن حزم، وخالفوا بجمودهم على قول الإمام المتبوع تواليف جميع أهل الإسلام أولها عن آخرها، ولم يقنعوا بها، ولا صوبوها ولا رضوها، بل خالفوها وعابوها، وخطأوا أصحابها استنقاصا لجميع أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في مشارق الأرض ومغاربها، حاشا “المدونة”  “المستخرجة”  فقط[

وكان بعض هؤلاء المقلدة، يهجمون على الفتوى بغير علم بسنة ثابتة، أو هدي مأثور، ذلك: «لأنهم ليسوا من أهل الرواية، فيعرفوا قويها من ضعيفها، ولا اشتغلوا بها قط ساعة من الدهر، وما يعرفون إلا المدونة على تصحيفهم لها، وما عرفوا قط من الصحابة رضي الله عنهم رجلا، ولا من التابعين عشرة رجال»  

وخلاصة القول، فإن كل ذلك بعث ابن حزم على انتحال القول بالظاهر، والإعلان به والمضي فيه، والدعوة إليه، والاحتجاج له، وتدوين قواعده وأصوله.

     وأيا كانت الأسباب التي جعلت الإمام ابن حزم اختار أن يكون ظاهريا، فإننا نؤكد أنه وجد بغيته في هذا المذهب، وألفى فيه ما يستجيب لنزعته الفكرية الحرة، التي ترفض القيود، والتي تسمو بفكره إلى مستوى العطاء الحر، الذي لا تكبله أغلال المذهبية والهوى، ولا ضغوط السياسة والسلطان، وتبقى محنته أكبر شاهد على استقلاله وتوجهه الحر، ولم تكن منزلته مع مؤسس المذهب الإمام داود بمنزلة التابع من المتبوع، بل منزلة المستقل في تفكيره، يتفقان ويختلفان وإن اتحد المنهاج الينبوع، الذي يستقيان منه ويردان ورده.

     واستقلاله الفكري نلمسه في عمله داخل المذهب الظاهري، والذي كان عملا تأسيسيا أكثر منه امتداديا لعمل من سبقه، ممن تبنى القول بالظاهر بصورة اجترارية تقليدية أشبه بالتمذهب، بدليل أنه رد على أصحابه من الظاهر وخالفهم، مثل قوله بالمجاز في القرآن والسنة، وهو ما منعه داود بن علي ونجله محمد وغيرهما، كما خالفهم في نفي القياس الجلي ­ فحوى الخطاب أو دليل الخطاب­ والمروي عن داود أنه قبله وذهب إلى القول به[  فلم يكن بهذا الاختيار مقلدا لمن سبقه من أصحاب الظاهر، فهو وإن ظل وفيا مخلصا لهم، إلا أنه صبغ آراءه وجداله عن الظاهرية بطابع التفرد والاستقلال، فلا يعقل أن ابن حزم الذي أعلن حربا لا هوادة فيها على ظاهرة التقليد يكون مقلدا، وهو الذي أعلنها مدوية: «أنا أتبع الحق وأجتهد ولا أتقيد بمذهب» ، وهو القائل: «لا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا، وكل أحد له من الاجتهاد حسب طاقته»[  وقال أيضا: «وليعلم كل من قلد صاحبا أو تابعا أو مالكا أو أبا حنيفة أو الشافعي، أو سفيان أو الأوزاعي أو أحمد أو داوود رضي الله عنهم، أنهم يتبرؤون منه في الدنيا والآخرة ويوم يقوم الأشهاد.

     اللهم إنك تعلم أنا لا نحكم أحدا إلا كلامك، وكلام نبيك الذي صليت عليه وسلمت، وفي كل ما تنازعنا فيه واختلفنا في حكمه، وأننا لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضيت، ولو أسخطنا بذلك جميع من في الأرض، وخالفناهم وصرنا دونهم حزبا وعليهم حربا…»[

     ويبدو جليا من خلال استقراء التراث المكتوب للإمام ابن حزم، الأثر البالغ لنزعة الظاهر في أبحاثه وأعماله الفكرية، التي ناقشها في شتى ضروب المعرفة ومسالك العلم والدراية، فالأخذ بالظاهر كان اختيارا ممنهجا له، لا يزيغ عنه ولا يحيد، حتى إنه عد ­الخروج عن الظاهر­ تمردا على العبارة، يفضي إلى إفساد الحقائق، وإبطال الشرائع، وانحراف عن المعقول، ويجادل عن ذلك فيقول: «وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع، لأن من فعل ذلك فقد أفسد الحقائق كلها والشرائع كلها والمعقول كله»

 

 

رابعا: منهج الجدل الديني بين ابن حزم والفرق الإسلامية في الأندلس.

     إن أبرز ما طبع أبحاث الإمام الحافظ ابن حزم الموسوعي ودراساته هو المنهجية الظاهرية، والجدلية النقدية التي قدم بها أعماله، فقد اتخذ من النقد العلمي المنضبط بالدقة والأمانة في النقل والعرض والمناقشة نسقا فكريا لا يحيد عنه في مجادلاته ومناظراته، وتجدر الإشارة إلى أن النقد قد شكل عند الإمام نوعا من الفقه الدقيق، النابع من تجربة ومخاض فكري، أججته وأذكته المشاهدات، والممارسات المصادمة للنصوص، ومقتضيات العقل، ولا أكون مبالغا إن قلت إن النقد الحزمي شكل ثورة على النتاج الفكري المستهلك في واقعه، ثم إن الممارسة النقدية عنده جاءت منبثقة من رؤيته الشمولية لمختلف القضايا التي ناقشها، وأعمل فيها آلة النقد مبتغيا من وراء ذلك كله، بلوغ الحق وإيصاله إلى الناس، وهو ينتقد الآراء ويعترض على الخصوم، يلزم نفسه بالأمانة في عرض نصوصهم وحججهم، كما حرص رحمه الله على تجنيب نفسه الوقوع في الإخلال، أو الحيف، أو بخس الخصم حقه، كل ذلك إمعانا في نزاهة البحث، ومصداقية النقد.

     بل تعداه إلى أنه حذر من اتساع رقعة الحيف في النقد ليتجاوز ظلم النفس إلى ظلم الخصم والقارئ أيضا، يقول بعد سوقه للمحاذير التي وقع فيها مَن كتب في افتراق الناس في الديانات: «فكان في ذلك غير منصف لنفسه في أن يرضى لها بالغبن في الإنابة، وظالما لخصمه في أنه لم يوفه حق اعتراضه، وباخسا حق من قرأ كتابه» ، كما آل على نفسه تقديم ما اعترض به على الخصوم، في قالب لغوي سهل الفهم، بعيد عن تعقيد العبارة وتقعير الألفاظ وعسر إدراك المعنى، فقد انتقد في كتابه “الفصل في الملل والأهواء والنحل” من سلك طريقة التعقيد في اللفظ، واستعمال الأساليب المفسدة للمعاني، ذلك لأن المقام مقام بيان الحق بعرض الحجة والدليل بوضوح ليتسنى للسامع أو القارئ فهم الدليل، قال: «وكلهم ­ إلا تحلة القسم­[  عقد كلامه تعقيدا يتعذر فهمه على كثير من أهل الفهم، وحلق على المعاني من بعد، حتى صار ينسي آخر كلامه أوله، وأكثر هذا منهم ستائر دون فساد معانيهم، فكان هذا عملا منهم غير محمود في عاجله وآجله»

     وكان للإمام ابن حزم منهج في الجدل مع الفرق الإسلامية وأصحاب المذاهب والمقلدين لها، يعتمد مناقشة أقوال الفقهاء والمحدثين، فكان التزامه بما ورد في القرآن والسنة، والأثر عن السلف معلما بارزا من معالم منهجه، فهو يعتمد على آي القرآن الكريم ومختلف أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثر من آثار الصحابة أو التابعين، واعتماده كذلك على قواعد استنباط الفقهاء وما يقتضيه اللسان العربي

أما منهجه في إيراد الآيات القرآنية[  فهو يوردها قبل مصادره الأخرى، وغالبا ما يستشهد بآيات عديدة في مسألة واحدة، وكأنه يحاول أن يقنع القارئ باهتمام القرآن بهذه النقطة، والتكرار الحاصل في ذكرها يدل على أهميتها.

     كما استعان بعلوم القرآن الكريم وتعني عنده: “معرفة قراءته ومعانيه”[ ، فمن ذلك أنه يلجأ في توضيح معانيه إلى نوعين من التفسير: تفسير الرواية[  وتفسير الدراية

     أما منهجه في إيراد الحديث، فيورد بعضها مسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك قوله: «حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن خالد، حدثنا إبراهيم بن أحمد البلخي، حدثنا الفربري، حدثنا البخاري، حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، حدثنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: قال ابن عباس: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول صلى الله عليه وسلم حدث تقرؤونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقد قالوا: «هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا»

وعندما يورد السند كاملا، فإنه يحاول أن يلفت انتباه القارئ إلى أهمية هذا الحديث أكثر من غيره، كما أننا نجده كثيرا ما يوردها مباشرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يذكر اسم الصحابي الذي روى الحديث[  ويهتم الإمام ابن حزم في أحيان كثيرة في نقد الحديث أو تصحيحه، فيقدم الحديث بقوله[  «وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم…»[  أو قوله: «الحديث الثابت…»[  وربما يعقبه بعد إيراد متن الحديث بعبارة تفيد ذلك فيقول: «…وهذا الخبر صحيح»[ ].

وقد يروى الحديث بصيغة الجزم على طريقة الحذاق من المحدثين[

أما عندما يثبت لديه ضعف سند الحديث فهو يرويه بصيغة التمريض كقوله: «ما رُوي…»[78]، وهذه هي الطريقة العلمية لإيراد الحديث الضعيف

ومن هذا يتبين أن الإمام ابن حزم اهتم اهتماما كثيرا بالحديث النبوي الشريف وكتبه، كما اهتم بمنهج عرضه وإيراده وتنقيحه سندا كان أم متنا[ ].

كما اعتمد الحافظ في منهجه الجدلي الظاهري على إجماع العلماء ، وسير السلف الصالح، ورفض في مناقشته رفضا مطلقا “القياس” باعتباره منهج إبليس كما سنراه في نماذج نقدية.

والإمام ابن حزم في كل قضية خالف فيها الجمهور يعرض أدلة الخصم، ثم يناقشها مبينا عللها وبطلانها وبعدها عن الأصول في نظره، ويسرد من الحجج ما يثبت دعواه وينقض دعوى خصومه، ثم ينتقل إلى مرتبة ثانية من مراتب الجدل، وهو إبطال أقوال الخصم من أقوالهم ذاتها، فيسلك مسلك الإلزام والإفحام، بعد أن سلك مسلك الحجة والبرهان.

وقد سلك الإمام ابن حزم في هذا الصدد مسالك جدلية في منتهى الروعة والدقة العلمية:

المسلك الأول: منع الارتباط بين دعوى الخصم واستدلاله[ ].

المسلك الثاني: معارضة الدعوى غير الصحيحة، المحتج لها بخبر مجرد من سياقه بدعوى أصح.

المسلك الثالث: الإلزام بالتناقض[ ].

المسلك الرابع: الرد إلى البرهان اللازم المتفق على لزومه، وهو النص الشرعي الذي نهى عن التقليد ولم يأمر به.

المسلك الخامس: أن الإمام الحافظ ابن حزم يزيد من احتجاج الخصم بما لا يحتج به لنفسه، ثم يبين بطلانه لقوله: «… وإحجاجنا لهم بكل ما شغبوا به، وزدناهم احتجاجا بما لم يحتجوا به لأنفسهم، وبينا بطلان كل ما يمكن أن يموه به ذلك مموه»[

أما منهجه الجدلي الظاهري مع الفرق الكلامية كالمعتزلة والخوارج والشيعة، فكان كثيرا ما يعتمد على العقل، لأنهم تصدوا لمسائل عقلية كإرادة الإنسان بجواز إرادة الله وقدرته، ورفض الإمام ابن حزم إطلاق كلمة الصفات، واستعماله بدلا عنها كلمة الأسماء[

فقد كان الإمام ابن حزم يتقيد في مجادلاته بموازين أو مقاييس عقلية لا يحاول الخروج عنها، ويجذب خصمه في الجدال إليها إن حاول أن يتقصى عنها أو الإفلات، ويعطيه من قارس القول القدر الذي يحمله على الجادة، أو يجعل تلك المقاييس أساس التشنيع عليه وتهجين قوله بالكتاب إن عز الخطاب معه، الثاوية في العلم الشرعي لإقناع خصمه[ ].

والإمام الحافظ ـ عندما يناقش ويجادل خصومه ممن ينتسبون إلى حقل “الكلام”ـ يعتمد بقوة على سلطان العقل[ ، ومعطيات الحس وشواهده ـ شأنه شأن منهجه مع خصومه الذين لا ينتسبون إلى ملة الإسلام ـ ولا يورد من المنقول إلا مقدار ما يستأنس به فحسب، ولا يجعله عمدة لأن حال المعارض رفض النص، ثم لأنه أدرك قيمة العقل في إحقاق الحق وبلوغ اليقين، وحجة العقل مسألة مفطورة في نفس الإنسان، وليست أمرا كسبيا يقبل الرد أو القبول، كما أنه يجتهد ويجد في البحث وطلب الحجة ولا يدخر في ذلك وسعا ولا يألو جهدا ويثبت ذلك لنفسه: «لأننا ولله الحمد أهل التخليص والبحث وقطع العمر في طلب تصحيح الحجة واعتقاد الأدلة قبل اعتقاد مدلولاتها»[ ، ولا يتحرج من الانصياع للحق إن ثبت له أنه مجانب للصواب وإن كانت حجة الآخرين أقوى من حجته، وعن ذلك يعبر مبرئا ذمته من التعصب لحجته، جاعلا الحق ضالته «وكذلك نقول فيما لم يصح عندنا حتى الآن، فنقول مجدين مقرين إن وجدنا ما هو أهدى منه اتبعناه وتركنا ما نحن عليه»[

فالمسألة عند الحافظ ليست قضية غالب ومغلوب، وإنما أكبر من ذلك؛ فهي الانصياع للحق حيث ظهر البرهان وبان، واتضح دون الالتفات إلى قائله[  «خذ الحق ولا يضرك من أي وعاء خرج»*.

والملاحظ على الإمام ابن حزم أنه قبل أن يوجه سهام النقد والرد إلى آراء الخصوم، يخضع نفسه لمنهج استقراء الآراء ومتابعة المسائل، واستيعاب ما قيل حولها حتى يكتمل لديه الرد، فيرد؛ لأن الوقوف على الحقائق لا يكون إلا بشدة البحث، وشدة البحث لا تكون إلا بكثرة المطالعة لجميع الآراء والأقوال، واستقصائها، وكشف أغوارها، والنظر في طبائع الأشياء، وسماع حجة كل محتج، والنظر فيها، وتفتيشها، والإشراف على الديانات والآراء والنحل والمذاهب»[ ].

     ويبدأ الإمام ابن حزم ­عادة عند عرضه لمبحث معين­ بإيراد آراء المسلمين بمختلف اتجاهاتهم في ­هذه القضية­، ويعطي للقارئ مقدمة مركزة يعرض بها قصده من ذكر هذه المسألة، ومثاله: قوله عند مناقشة مسألة الشفاعة: «اختلف الناس في الشفاعة فأنكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج، وكل من منع أن يخرج أحد من النار بعد دخوله فيها، وذهب أهل السنة والأشعرية[ ]والكرامية[ وبعـض الرافضة إلى القول بالشفاعة»[ ،

     ثم يورد أدلة المنكرين للشفاعة، وهي آيات عديدة منها قوله تعالى: “قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا”[الجن، 21]، بعدها يبين وجهـة نظره في أدلة الخصـم، ـ وهم هنا المنكرون للشفاعة ردا عليها وموضحا بطلانها؛ فيقول بهذا الخصوص: «لا يجوز الاقتصار على بعض القرآن دون بعض ولا على بعض السنن دون بعض»[

     وهنا تكمن بـراعة الإمام ابن حـزم في إيراده لأدلته بمهارة، وغالبا ما تكون من جنس أدلة الخصم، فيستعـرض لنا الآيات التي دلت على الشفاعة منها قوله تعالـى: “لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا”[مريم، 89]، وقولـه تعالى: “وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ”[سبأ، 23]، وغيرها من الآيات الدالة على الشفاعة، وحينئذ يقول: «فقد صحت الشفاعة بنص القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فصح يقينا أن الشفاعة التي أبطلها الله عز وجل هي الشفاعة التي أثبتها عز وجل، وإذ لا شك في ذلك، فالشفاعة التي أبطلها عز وجل هي الشفاعة للكفار الذين هم مخلدون في النار» ، ثم يبين لنا أنواع الشفاعة، ويعرضها للقارئ لغرض التوضيح والكشف عن مفهومها وهي قسمان: الأولى عامة: «وهي لكل محسن ومسيئ في تعجيل الحساب يوم القيامة، وإزاحة الناس مما هم فيه من هول الموقف وشنعة الحال…»[  والثانية: «…هي إخراج أهل الكبائر من النار طبقة طبقة على ما صح في ذلك الخبر»[ ، وقد تكون هناك بعض الاعتراضات التي لا ينسى الإمام ابن حزم أن يعرج عليها، وقصده من ذلك عدم ترك فجوة يمكن أن تخل بمادة كتابه، مثل ادعاء البعض: «أن الشفاعة ليست إلا في المحسنين»[  ويرد هذا الادعاء بقوله: «وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن من أذن الله في إخراجه من النار وإدخاله إلى الجنة، وأذن للشافع في الشفاعة له في ذلك فقد ارتضاه»[

     فمن هنا يتبين أن الإمام الحافظ ابن حزم، أول ما يبدأ بحثه في أي مسألة كلامية، يقرر آراء مختلف النحل الإسلامية فيها على اختلافها، ثم يستعرض أدلة كل فريق على سبيل التفصيل، حتى إذا فرغ من ذلك بدأ عمله في تفنيد الأدلة التي لا توافق معتقده، وقد يشير إلى وجه التناقض بينها، ثم يبين وجهة نظره التي يتبناها مع الأدلة التي تدعم ذلك، ومن ثم بعد وصوله لهذه النقطة، يطرح بعض الاعتراضات للخصم، يردها بمهارة لا تقل عن المهارة التي رد بها الأدلة الأولى.

     وهكذا نجد أسلوبه هذا في معظم العقائد التي يستعرضها، فإن قرأنا المسائل الأكثر تعقيدا، رأينا أقوال النِّحَل تكثر، وأدلتهم تتعدد، وافتراضاتهم تتشعب، ويستمر الإمام ابن حزم على منهجه هذا في تناول الآراء، بنفس طويل في ردها.

     وأعرض مثالا يظهر لنا فيه مدى اعتماد الحافظ على المنهاج الظاهري (العقل، الحس، البدهيات)، الذي طفحت به كتبه، إضافة إلى اعتماده على النص، إذ نراه في هذه الدراسة ومناقشة الأحوال المختلفة، يرسل إليك من الفكر الإسلامي من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، علاوة على ما يقتضيه اللسان العربي، فنقول: قال أبو محمد رضي الله عنه: ذهب أحمد بن حابط[  وكان من أهل البصرة، من تلاميذ إبراهيم النظام[  ويظهر الاعتزال، وَمَا نرَاهُ إِلَّا كَافِرًا لَا مُؤمنا.

     وإنما استجزنا إخراجه عن الإسلام لأن أصحابه حكوا عنه وجوها من الكفر، منها التناسخ، والطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من قوله إن الله عز وجل نبأ أنبياء من كل نوع من أنواع الحيوان، حتى البق والبراغـيث والقمل وحجته في ذلك قوله تعالى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ”[الأنعام: 38]، ثم ذكر قـوله تعالى: “وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ” [فاطر: 24]»[

قال أبو محمد رضي الله عنه: “وهذا لا حجـة لهم فيه؛ لأن الله عز وجل يقـول: “رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ”[النساء: 165]، وإنما يخاطب الله بالحجة من يعقلها قال الله تعالى: “يا أولي الألباب”، وقد علمنا بضرورة الحس أن الله تعالى إنما خص بالنطق الذي هو التصرف في العلوم، ومعرفة الأشياء على ما هي عليه، والتصرف في الصناعات على اختلافها خاصة الإنسان، وأضفنا إليهم بالخبر الصادق مجرد الجن، وأضفنا إليهم الخبر الصادق، وببراهين أيضا ضرورية الملائكة، وإنما شارك من ذكرنا سائر الحيوان في الحياة خاصة، وهي الحس والحركة الإرادية، فعلمنا بضرورة العقل أن الله تعالى لا يخاطب بالشرائع إلا من يعقلها ويعرف المراد بها، وبقوله تعالى: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”[البقرة: 286]، ووجدنا جميع الحيوان ـ حاشا الناس ـ يجري على رتبة واحدة في تصرفها في معاشها وتناسلها، لا يجتنب منها واحد شيئا يفعله غيره، هذا الذي يدرك حسا فيما يعاشر الناس في منازلهم، من المواشي والخيل والبغال والحمير والطير وغير ذلك، وليس الناس في أحوالهم كذلك، فصح أن البهائم غير مخاطبة بالشرائع وبطل قول ابن حابط، وصح أن معنى قول الله تعالى: “أمم أمثالكم” أي أنواع أمثالكم، إذ كل نوع يسمى أمة، وأن معنى قوله تعالى: “وإن من أمة إلا خلا فيها نذير”، إنما عنى تعالى تلك الأمم من الناس، وهم القبائل والطوائف، ومن الجن لصحة وجوب العبادة عليهم، فإن قال قائل: فما يدريك لعل سائر الحيوان له نطق وتمييز[ ]، قيل له وبالله التوفيق: بقضية العقول وبديهيها عرفنا الأشياء على ما هي عليه، وبها عرفنا الله عز وجل، وصحة النبوات، وهي التي لا يصح شيء إلا بموجبها، فما عرف بالعقل وجوبه فهو واجب بيننا ­نريد في الوجود في العالم­ وما عرف بالعقل أنه محال فهو محال في العالم، وما وجد بالعقل إمكانه فجائز أن يوجد، وجائز أن لا يوجد، وبضرورة العقل والحس علمنا أن كل نوعين واقعان تحت جنس واحد، فإن ذلك الجنس يعطيهما اسمه وحده عطاء مستويا، فلما كان جنس الحي يجمعنا مع سائر الحيوان استوينا معها كلها استواء لا تفاضل فيه، فيما اقتضاه اسم الحياة من الحس والحركة الإرادية، وهذان المعنيان هما الحياة لا حياة غيرهمـا أصـلا، وعلمنـا ذلـك بالمشاهدة لأننا رأينا الحيوان يألم بالضرب والنخس، ويحدث لها من الصوت والقلق ما يحقق ألمها كما نفعل نحن ولا فرق، ولذلك لما تشاركنا والحيوان وجميع الشجر والنبات في النماء، استوى جميع الحيوان فيما اقتضاه اسم النمو من طلب الغذاء، واستمالته في المتغذى به إلى نوعه، ومن طلب بقاء النوع مع جميع الشجر والنبات استواء واحدا لا تفاضل فيه[ ].

ويضيف ابن حزم: “ولما شاركنا وجميع الحيوان والشجر والنبات وسائر الجمادات في أن كل ذلك أجسام طويلة عريضة عميقة، فإن جميع الأجرام استوى كل ذلك فيما اقتضاه له اسم الجسمية في ذلك استواء لا تفاضل فيه، ولم يدخل ما لم يشارك شيئا مما ذكرنا في الصفة التي انفرد بها عنه”[

     فإن اعترض معترض بفعل النحل ونسج العنكبوت، قيل له وبالله التوفيق: إن هذا طبيعة ضرورية، لأن العنكبوت لا يتصرف في غير تلك الصفة من النسج، ولا توجد أبدا إلا كذلك، وأما الإنسان فإنه يتصرف في عمل الديباج والوشي والقباطي[ ]وأنواع الأصباغ والدباغ، والخرط والنقش، وسائر الصناعات من الحرث والحصاد، والطحن والطبخ، والبناء والتجارات، وفي أنواع العلوم من النجوم ومن الأغاني والطب[  والعبادة وغير ذلك.

     ولا سبيل لشيء من الحيوان إلى التصرف في غير الشيء الذي اقتضاه له طبعه، ولا إلى مفارقة تلك الكيفية، فإن اعترض معترض، بقوله تعالى: “عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ”[النمل: 16]، وبما ذكـر الله تعالى من قول النملة: “يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ”[النمل: 18]، وكذا قول الهدهد، قيل وبالله تعالى التوفيق: لم ندفع أن يكون للحيوانات أصوات عند معاناة ما تقتضيه الحياة من طلب الغذاء، وعند الألم، وعند المضاربة، وطلب السفاد، ودعاء أولادها، وما أشبه ذلك، فهذا هو الذي علمه الله تعالى سليمان رسوله عليه السلام، وهذا الذي يوجد في أكثر الحيوان، وليس هذا من تمييز دقائق العلوم والكلام فيها، ولا من عمل وجوه الصناعات كلها في شيء، وإنما عنى الله تعالى: بـ”منطق الطير” أصواتها التي ذكرنا لا تمييز العلوم والتصرف في الصناعات التي من ادعاها لها أكذبه العيان، والله تعالى لا يقول إلا الحق[ ].

     وأما قصة النملة والهدهد: فهما معجزتان خاصتان لذلك النمل ولذلك الهدهد، وآيتان لسليمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ككلام الذراع وحنين الجذع، وتسبيح الطعام لمحمدe آيات لنبوته عليه السلام، وكذلك حياة عصا موسى عليه السلام آية لرسول الله موسى عليه السلام، لأن هذا النطق شامل لأنواع هذه الأشياء[

     وأضاف أبو محمد قوله: وقد قاد السخف والضعف والجهل من يقدر في نفسه أنه عالم وهو المعروف بخويز منداد[111] المالكي إلى أن جعل للجمادات تمييزا، ولعل معترضا يعترض بقول الله تعالى: “وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44]، وبقوله تعالى: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ”[الحج: 18]، وبقوله تعالى: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا”[الأحزاب : 72]، وبقوله تعالى حاكيا أنه قال للسموات والأرض: “اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ”[فصلت: 11]، ويقـول رسول  الله صلى الله عليه وسلم: «يوم يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء»[112]، فهذا كله حق، ولا حجة لهم فيه، والحمد لله رب العالمين؛ لأن القرآن واجب أن يحمل على ظاهره، كذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خالف ذلك كان عاصيا لله عز وجل، مبدلا لكلماته، ما لم يأت نص في أحدهما، أو إجماع متيقن، أو ضرورة حس على خلاف ظاهره، فيوقف عند ذلكم، ويكون من حمله على ظاهره حينئذ ناسبا الكذب إلى الله عز وجل، أو كاذبا عليه وعلى نبيه عليه السلام نعوذ بالله من كلا الوجهين، وإذ قد بينا قبل بالبراهين الضرورية أن الحيوان غير الإنس والجن والملائكة لا نطق له، نعني أنه لا تصرف له في العلوم والصناعات، وكان هذا القول مشاهدا بالحس معلوما بالضرورة، لا ينكره إلا وقح مكابر لحسه، وبينا أن كل ما كان بخلاف التمييز المعهود عندنا فإنه ليس تمييزا، وكان هذا أيضا يعلم بالضرورة والعيان والمشاهدة، فوجب أنه بخلاف ما يسمى في الشريعة واللغة نطقا وقولا وتسبيحا وسجودا، فقد وجب أنها أسماء مشتركة اتفقت ألفاظها، وأما معانيها فمختلفة، لا يحل لأحد أن يحملها على غير هذا، لأنه إن فعل كان مخبرا أن الله تعالى قال ما يبطله العيان والعقل، الذي به عرفنا الله تعالى ولولاه ما عرفناه ، ومن أجاز هذا كان كافرا مشركا، ومن أبطل العقل، فقد أبطل التوحيد إذ كذب شاهده عليه، إذ لولا العقل لم يعرف الله عز وجل أحد، ألا ترى المجانين والأطفال لا يلزمهم شريعة لعدم عقولهم؟ ومن جوز هذا فلا ينكر على النصارى ما يأتون به من خلاف المعقول، ولا على الدهرية، ولا على السوفسطائية، ما يخالفون به المعقول، لكنا نقول: إن اللفظ مشترك، والمعنى هو ما قام الدليل عليه، كما فعلنا في النزول، وفي الوجه واليدين والأعين، وحملنا كل ذلك على أنه حق بخلاف ما يقع عليه اسم “ينزل” عندنا واسم “يد” و”عين” عندنا، لأن هذا عندنا في اللغة واقع على الجوارح، وهذا منفي عن الله تعالى[

وخلاصة القول في هذا المبحث، أن الإمام الحافظ ابن حزم اعتمد كثيرا ­مع الفرق الكلامية­، على العقل المجرد، ورد المقدمات الضرورية مسلسلة إلى البداهة التي تقرها العقول المستقيمة، وكان مع هذا المنهج يعتمد على الإفحام والإلزام ببيان التناقض في أقوالهم، والرد عليهم من كتبهم، أو مما يقرره علماؤهم، كما أنه كان ينزح في جدالاته معهم، إلى استعمال النصوص القرآنية والحديثية، أما مناقشته مع الفقهاء والمحدثين، فكان عمل العقل فيها محدودا، بل اعتمد على النصوص والآثار وقواعد استنباط الفقهاء.

الاشاعرة:

أما في بلاد المغرب العربي فإن يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين كان وطيد الصلة مع علماء الأشاعرة فكان ابن رشد الجد (الملقب بشيخ المالكية) -وهو من الأشاعرة- قاضي القضاة زمن المرابطين، وأبو عمران الفاسي الذي يعد العقل المدبر لتأسيس دولة المرابطين. ودانت للسنة على مذهب الأشعرية في الأصول أهل البسيطة من المسلمين إلى أقصى بلاد أفريقية، وقد بعث ابن الباقلاني في جملة من بعث من أصحابه إلى البلاد: أبا عبد الله الحسين بن عبد الله بن حاتم الأزدي إلى الشام ثم إلى القيروان وبلاد المغرب، فدان له أهل العلم من أئمة المغاربة وانتشر المذهب إلى صقلية والأندلس، ولابن أبي زيد وأبي عمران الفاسي وأبي الحسن القابسي وأبي الوليد بن الباجي وتلامذتهم أياد بيضاء في نشر مذهب الإمام أبي الحسن في تلك البلاد. كما أن أبا بكر ابن العربي وهو من أهم علماء المالكية وممن كان يعتمد عليهم ابن تاشفين كان من تلاميذ الغزالي، الذي كان أهم علماء المشرق في ذاك العصر ومن المعلوم أن الغزالي من كبار علماء الأشاعرة، ويوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين، عندما عزم على الدخول إلى الأندلس قام باستشارة أبو حامد الغزالي أحد أهم أئمة الأشاعرة.

 

بينما يرى بعض السلفيين أن المغرب الإسلامي ظل على معتقد أهل الحديث وفق رؤية جماعة السلفية حتى زمن دولة المرابطين الذين أظهروا هذا المعتقد وحاربوا الفرق والعقائد الكلامية، وأمروا بكتب الغزالي فأحرقت. ثم خرج عليهم محمد بن تومرت داعياً إلى المعتقد الأشعري، فكان هو من قام بإدخال المنهج الأشعري إلى المغرب العربي، وكفر المرابطين بدعوى أنهم مجسمة ومشبهة، وسمى أتباعه بالموحدين تعريضاً بهم، واستباح بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم حتى قضى أتباعه من بعده على دولةالمرابطين، وأسسوا الدولة الموحدية على أنقاضها متبنين منهج الأشاعرة. وظل المعتقد الأشعري هو السائد عندهم حتى يومنا هذا. بينما يرى المؤرخون الأشاعرة أن الصراع بين المرابطين والموحدين كان سياسيًا قبليًا، ولم يكن مذهبيًا، فبالإضافة إلى أنهم يرون أن مؤسسي دولة المرابطين هم أشاعرة، فإنهم يرون أن ابن تومرت لم يسع إلى إقامة دولته من أجل العقيدة الأشعرية، وأنه لا يمكن الإشارة إليه كممثل للأشاعرة، بل إن تومرت كان هدفه سياسي بامتياز وكان يرمي إلى الاستيلاء على ملك المغرب. وهذا لا ينفي أن تدريس المنهج الأشعري قد ازدهر بعد سقوط دولة المرابطين، فنظراً إلى أن المغرب الإسلامي لم يشهد فرقاً فكرية متنوعة كالتي شهدها المشرق فإن هذا جعل أهل المغرب يعتنون بفروع الدين وبالأخص الفقه دون الأصول كالعقيدة وذلك لعدم وجود تنازع كالذي حصل في المشرق بين الأشاعرة وبقية أهل الحديث من جهة والمعتزلة من جهة أخرى.

 

بعد أن استقر المغرب وانطفأت فيه الفتن، بدأت حواضر علمية عدة في تبنّي منهجية تعليمية تنافس نظيراتها في المشرق خاصة في تدريس عقيدة أهل السنة والجماعة وفق منهج الأشاعرة، وأبرز هذه الحواضر هي: الجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، والمسجد الأموي في دمشق، وندوة العلماء ودار العلوم ديوبند في الهند، وغيرها من منارات العلوم المبثوثة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كلها كانت تتبنى إما مذهب الأشاعرة أو الماتريدية، ومن قبلها المدارس الإسلامية التي قامت في حواضر الإسلام قديماً، مثل المدارس النظامية نسبة للوزير نظام الملك، وهي كثيرة، حتى قيل بأنه لا تخلو مدينة من مدن العراق وخراسان من أحدها، وهي من أهم الأسباب في انتشار المذهب السني، ومن أشهرها المدرسة النظامية ببغداد التي كانت أكبر جامعة في الدنيا يومئذ (كما وصفها الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي) ولي مشيختها الإمام أبو إسحاق الشيرازي، والإمام الغزالي، ونظامية نيسابور التي ولي مشيختها الإمام الجويني وبعده الإمام الغزالي أيضاً، ومن تلك الصروح العلمية التي كان لها أكبر الأثر في التاريخ الإسلامي مدرسة دار الحديث الأشرفية التي كان شرط واقفها أن لا يلي مشيختها إلا أشعري (ذكر ذلك الإمام تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى)، وكان أول من استلم مشيختها الحافظ أبو عمرو بن الصلاح، ثم تعاقب الأئمة بعده، فمنهم الإمام الحافظ يحيى بن شرف النووي والحافظ جمال الدين المزي والحافظ تقي الدين السبكي والحافظ ابن كثير وغيرهم، والذين تخرجوا فيها من العلماء لا يُحصَوْن، وهكذا استمرّت هذه المدرسة بإخراج العلماء والأئمة والحفاظ والفقهاء والمقرئين قروناً طويلة.

 

الأفكار والعقائد

الأشعرية مدرسة سنية، تكاد تكون مطابقة لعقائد المدارس الأخرى المنتسبة للسنة كالماتردية إلا في مسائل قليلة بسبب اختلاف منهج التلقي والاستدلال. واتبع علماء أشاعرة منهجًا كلاميًا في حالات عدة.

 

استدل الأشعري على العقائد بالنقل والعقل، فيثبت ما ورد في الكتاب والسنة من أوصاف الله والاعتقاد برسله واليوم الآخر والملائكة والحساب والعقاب والثواب، يستدل بالأدلة العقلية والبراهين المنطقية على صدق ما جاء في الكتاب والسنة بعد أن أوجب التصديق بها كما هي نقلاً، فهو لا يتخذ من العقل حَكَما على النصوص ليؤولها أو يمضي ظاهرها، بل يتخذ العقل خادما لظواهر النصوص يؤيدها. وقد استعان في سبيل ذلك بقضايا فلسفية ومسائل عقلية خاض فيها الفلاسفة وسلكها المناطقة، والسبب في سلوكه ذلك المسلك العقلي:

 

أنه كان منتسبا إلى المعتزلة، فاختار طريقتهم في الاستدلال لعقائد القرآن وهو مسلك المناطقة والفلاسفة، ولم يسلك طريقتهم في فهم نصوص القرآن والحديث.

أنه تصدّى للردّ على المعتزلة ومعارضتهم فتبع طريقتهم في الاستدلال ليقطع حجتهم ويفحمهم بما في أيديهم ويرد حجتهم عليهم.

أنه تصدّى للردّ على الفلاسفة، والقرامطة، والباطنية وغيرهم، وكثير هؤلاء لا يقنع إلاّ بالأقيسة المنطقية، ومنهم فلاسفة لا يقطعهم إلا دليل العقل.

قال الإمام تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: «... الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري، شيخ طريقة أهل السنة والجماعة، وإمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين، والذَّاب عن الدين، والساعي في حفظ عقائد المسلمين؛ سعيا يبقى أثره إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين. إمام حبر، وتقي بر، حمَى جناب الشرع من الحديث المفترَى، وقام في نصرة ملة الإسلام فنصرها نصرا مؤزَّرا،

 

بهمة في الثريا إثر أخمصها

وعزمة ليس من عاداتها السأم

وما برح يدلج ويسير، وينهض بساعد التشمير حتى نقَّى الصدور من الشبه، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، ووقَى بأنوار اليقين من الوقوع في ورطات ما التبس، وقال فلم يترك مقالاً لقائل، وأزاح الأباطيل والحقُّ يدفع ترهات الباطل. ... وأخذ في نُصرة الأحاديث في الرُّؤية والشَّفاعة والنَّظر وغير ذلك، وكان يفتح عليه من المباحث والبراهين بما لم يسمعه من شيخ قط، ولا اعترضه به خصم، ولا رآه في كتاب. قال الحسين بن محمد العسكرى: (كان الأشعري تلميذاً للجبائي، وكان صاحب نظر وذا إقدام على الخصوم، وكان الجبائي صاحب تصنيف وقلم، إلا أنه لم يكن قوياً في المناظرة، فكان إذا عرضت مناظرة قال للأشعري: نب عني). ... واعلم أنا لو أردنا استيعاب مناقب الشيخ لضاقت بنا الأوراق وكلت الأقلام، ومن أراد معرفة قدره، وأن يمتلئ قلبه من حبه، فعليه بكتاب«تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري» الذي صنفه «الحافظ ابن عساكر»، وهو من أجل الكتب وأعظمها فائدة وأحسنها. ... وقد زعم بعض الناس أن الشيخ كان مالكي المذهب، وليس ذلك بصحيح، إنما كان شافعيا، تفقَّه على أبي إسحاق المروزي، نصَّ على ذلك الأستاذ أبو بكر بن فورك في طبقات المتكلمين والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني فيما نقله عنه الشيخ أبو محمد الجويني في شرح الرسالة. ... اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأياً ولم ينشئ مذهباً، وإنما هو مقرِّرٌ لمذاهب السَّلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقاً وتمسَّكَ به، وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدِي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمَّى أشعرياً، ولقد قلت مرة للشيخ الإمام رحمه الله: أنا أعجب من الحافظ ابن عساكر في عَدِّهِ طوائفَ من أتباع الشيخ ولم يذكر إلا نزراً يسيراً وعدداً قليلاً، ولو وفَّى الاستيعاب حقَّه لاستوعَب غالبَ علماء المذاهب الأربعة، فإنهم برأي أبي الحسن يدينون الله تعالى، فقال إنما ذكَر من اشتهر بالمناضلة عن أبي الحسن، وإلاَّ فالأمر على ما ذكرت من أن غالب علماء المذاهب معه. وقد ذكر سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام أن عقيدته اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه: أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية: جمال الدين الحضيري. ... وقد ذكر غير واحد من الأثبات أن الشيخ كان يأخذ مذهب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي، وأبو إسحاق المروزي يأخذ عنه علم الكلام، ولذلك كان يجلس في حلقته.

 

ثم قال في موضع آخر: ...قال الإمام المايُرْقي المالكي: (ولم يكن أبو الحسن أوَّلَ متكلم بلسان أهل السنة، إنما جرى على سنن غيره، وعلى نصرة مذهب معروف، فزاد المذهب حجَّة وبياناً، ولم يبتدِع مقالة اخترعها، ولا مذهبا انفرَد به، ألا ترَى أن مذهب أهل المدينة نُسِب إلى مالك، ومن كان على مذهب أهل المدينة يقال له مالكي، ومالك إنما جرى على سنن من كان قبله وكان كثير الإتباع لهم، إلا أنه لمَّا زاد المذهب بياناً وبسطاً عُزِي إليه، كذلك أبو الحسن الأشعري لا فرق، ليس له في مذهب السلف أكثر من بسطه وشرحه وتواليفه في نصرته).

 

... ثم ذكر المايُرْقي رسالة الشيخ أبي الحسن القابسي المالكي التي يقول فيها: (واعلموا أن أبا الحسن الأشعري لم يأت من علم الكلام إلاَّ ما أراد به إيضاح السنن والتثبت عليها) إلى أن يقول القابسي: (وما أبو الحسن إلا واحد من جملة القائمين في نصرة الحق ما سمعنا من أهل الإنصاف من يؤخره عن رتبة ذلك ولا من يؤثر عليه في عصره غيره ومن بعده من أهل الحق سلكوا سبيله)...

 

وقال العلامة ابن السبكي أيضًا في «معيد النعم ومبيد النقم» [ص75، ط. الخانجي]: «وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة -ولله الحمد- في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية؛ لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاع من الحنابلة؛ لحقوا بأهل التجسيم، وبرأ الله المالكية؛ فلم نر مالكيًّا إلا أشعريًّا عقيدة، وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة».

 

وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي: «وأبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة، وعامة أصحاب الشافعي على مذهبه، ومذهبه مذهب أهل الحق».

 

وقد ذكر شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أن عقيدة الأشعري اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه: أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري.

 

وقد كان العز بن عبد السلام على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، وقد أبان ذلك في عقيدته المسماة «ملحة الاعتقاد» التي أرسلها إلى الملك الأشرف حينما وقع الخلاف بينهما في مسألة كلام الله تعالى. وقد ذكرها ابن السبكي في طبقاته في ترجمة العز نقلا عن ولده الشيخ عبد اللطيف. وهي كالآتي: قال في أولها: "الحمد لله ذي العزة والجلال، والقدرة والكمال، والإنعام والإفضال الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مُقَدَّر، ولا يُشبه شيئا، ولا يُشْبهه شيء، ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان، ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، فكل نعمة منه فهي فضل، وكل نقمة منه فهي عدل ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ٢٣﴾ [الأنبياء:23]، استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قال، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسّة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال عما يقوله أهل الغي والضلال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محملون بلطف قدرته، مقهورون في قبضته، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، مطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر، حي مريد سميع بصير قدير، متكلم بكلام قديم أزلي ليس بحرف ولا صوت". ويرد على من ذهب إلى أن الله متكلم بصوت وحرف بقوله: "ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق، شكلا ترمقه العيون والأحداق، كما زعم أهل الحشو والنفاق، بل الكتابة من أفعال العباد، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة، ويجب احترامها لدلالتها على كلامه، كما يجب احترام أسمائه لدلالتها على ذاته، وحق لما دل عليه وانتسب إليه أن يعتقد عظمته وترعى حرمته، ولذلك يجب احترام الكعبة والأنبياء والعباد والصلحاء؛

 

أمر على الديـار ديـار ليلى

أقبـل ذا الجـدار وذا الجـدارا

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديـارا

ولمثل ذلك يقبل الحجر الأسود، ويحرم على المحدث أن يمس المصحف، أسطره وحواشيه التي لا كتابة فيها، وجلده التي هو فيها، فويل لمن زعم أن كلام الله القديم شيء من ألفاظ العباد، أو رسم من أشكال المداد". ثم قال بعد ذلك: «واعتقاد الأشعري – رحمه الله – مشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون، التي سمى بها نفسه في كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسماؤه مندرجة في أربع كلمات، هن الباقيات الصالحات»...إلخ. ثم بعد أن فصل الكلام عن الباقيات الصالحات قال: «فهذا إجمال من اعتقاد الأشعري –رحمهم.

يتعرف الطالب من خلال هذا المقياس على المدارس التاريخية الإسلامية والمدارس التاريخية الغربية 

كما يتطرق للمناهج التي يمكن توظيفها في البحث التاريخي كأداة للبحث .

العمران والمراكز الحضارية مقياس موجه لطلبة السنة الأولى ماستر تخصص تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط يهدف الى تقديم نظرة حول عمران بلاد المغرب العمامل المتحكمة فيه وخصائصه ومظاهره.